النهضة أيضا.. وطبعا…

Photo

بعد انفجار الجبهة الشعبية، خلاصة مشروع اليسار التونسي، لا على خلفية قراءة سياسية لطبيعة المرحلة، بل بسبب صراع عنيف وسخيف وطفولي حول زعامة الجبهة وحول الترشح لمنصب رئاسة الجمهورية ( رغم انعدام حظوظ الفوز به ممّا يضاعف من عبثية واقع اليسا ر).

وبعد مسخرة الانقسامات المتوالدة من حزب نداء تونس، وقد شكّل لحظة ظهوره حدثا سياسيا ضخما (من حيث حجم الرموز التي انخرطت فيه ومن حيث تنوّع التيارات الإيديولوجية التي اختارته مشروعا يناسب المرحلة الجديدة، ومن حيث النتائج المذهلة التي حققها انتخابيا) ، انقسامات كان محرّكها الأوحد الانقضاض على مناصب في الحزب.

والدولة، مناصب تتحكّم في توزيعها لوبيات الفساد والجريمة المنظمة.

وبعد الارتباك الذي ميّز أداء قيادة منظمة اتحاد الشغل (التلويح بالمشاركة الواسعة في الانتخابات ثم التراجع الكلّي في صمت مهين، المراوحة في الموقف من الحكومة بين الراديكالية الثورية والصمت المتواطئ/الخائف المريب ) ، ارتباك يهين تاريخ المنظمة ووزنها الوطني الذي ما يزال المجتمع يحتاجه في غياب تنظيمات تحميه من جشع عصابات تتحكّم في مفاصل الاقتصاد وتستبيح كل حدود النهب.

يأتي الدور الآن على حركة النهضة الإسلامية، بمناسبة الأزمة الداخلية الأولى المعلنة حول آلية تصعيد قائماتها الجهوية للبرلمان القادم. أزمة كشفت باختصار أن خللا أصليا تكوينياّ بصدد التفاعل والانتشار في جسم النهضة.

النهضة باعتبارها تعبيرة اجتماعية سياسية لا تكفي لتفسيرها المقاربات السوسيولوجية التي تناولتها ليست إسلاما احتجاجيا على فشل التحديث القسري كما قال الهرماسي منذ 40 عاما، بل كانت "شبه فكرة" وهابية مسقطة واجهت التدين الشعبي الخرافي ثم التدين الرسمي الطقوسي بخلفية انفعالية هلامية لم يسبقها تأسيس فكري لتسقط سريعا في التسيّس الإخواني العاطفي المضادّ لفكرة الحداثة والدولة. ولا هي أيضا صناعة استعمارية وظّفت أفكار الإقطاع المتضرّر من صعود البرجوازية كما يردّد البعض باستسهال مخلّ.

النهضة الآن ، أقول الآن، حركة بخصوصيات معقّدة، نختصرها في الآتي:

في المخيال الشعبي العام ومخيال قيادتها وقاعدتها على السواء هي "جماعة" محكومة داخليا بأخلاق الدين وتعِدُ بنشر الأخلاق الإسلامية (أخلاق الصحابة كما صوّرتهم كتب السيرة المفتقدة لأدنى شروط الكتابة التاريخية) في المجتمع.. والدولة أيضا. حتى الدولة بفضل الإسلاميين ستصبح متخلّقة بما أن الإسلام دينها كما ينصّ الدستور ( وهو تفكير ما قبل سياسي طبعا).

مقابل ذلك ،الذين يشكّكون في مدنية النهضة وديمقراطيّتها يتمّ محاججتهم بأنها حركة جماهيرية واسعة الانتشار تمارس الديمقراطية الشاملة داخلها أفضل من كل الأحزاب العلمانية، فهي حزب كلّ مؤسساته تحظى بشرعية الانتخاب الديمقراطي المباشر. والحال أنه منذ المؤتمر العاشر للحركة وقف أبناؤها على حقيقة موضوعية صادمة:

النهضة انفصلت نهائيا عن طوبى التأسيس، وتحوّلت إلى تنظيم حزبي/ شركة/ آلة سياسة وحكم يديرها عقل سياسي نفعي يتحرّك ضمن شروط سياسية إقليمية ودولية تتجاوز رهانات الداخل الوطني، ويوظّف في طريقه كلّ شيء بما في ذلك بقايا حلم/وهم التأسيس لتعبئة موارد بشرية انتخابية لصالح رهانات غامضة.. وداخليّا لصالح أشخاص امتلؤوا بفكرة/مرض الزعامة (من المحليات حتى المركز) وتحوّلوا إلى محترفي مناصب/غنائم (لا محترفي سياسة، لأن السياسة سلوك عقلاني وانخراط مواطني في الشأن العام وهي أيضا علم يحتاج مؤهلات مميّزة).

لن أضيف جديدا إن قلت أن جزءا كبيرا من ناشطي النهضة يعتبرون الحكم (وكل المناصب الجهوية والمحلية البلدية والحزبية أيضا) حقّا ومقابلا موضوعيا للتضحيات التي قدّموها نيابة عن المجتمع. بعضهم يقول هذا بوعي ويعلله بأن الدولة للجميع وأن النهضة تعجّ بكفاءات قادرة على إدارة الدولة كغيرها وربما أكثر منهم ( يوجد دائما مترفّعون عن هذا السلوك الانتهازي طبعا).

النهضة بصدد التحوّل جذريا. الرابط الشعوري المعنوي الذي جعلها جماعة عقائدية كما عرف عنها اضمحلّ عموما، وهي نفسها تريد التخلّص منه لصالح الانتظام السياسي المدني الحديث. الوزن المعنوي لقيادتها لم يعد محددا كبيرا في سلوك المنتمين إليها. في الوعي العام النهضوي والشعبي أيضا تبدّد وهم الأخلاقية المثالية للنهضة، واستوت مكانتها في الضمير العام ببقية الطبقة السياسية.

هل ستكون تجربة تسع سنوات من السياسة في مناخ الحرية الكاشفة كافية لخلخلة أفكار كثيرة طالما مثلت إعاقات بنيوية كبرى في تاريخنا (الفردي والجماعي) في اتجاه أن يشرع الجميع في التفكير .. من خارج الوهم؟

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات