ثقافة "يأكل الغلّة ويسبّ الملّة"…

Photo

هاتفتني صديقة مُقيمة ببلد عربي مُجاور للتهنئة بحلول السنة الإدارية الجديدة كانت تسألني عن أحوالي وأحوال البلاد، فأجبتها أنّنا بخير ونعمة وأننا منذ خمس سنوات نعيش تجربة نوعية حيث فتحت لنا الثورة أبوابا نُمارس من خلالها حقّنا في التعبير ونساهم في بناء الوطن وأنّنا بصدد تأسيس حياة جديدة مُختلفة عن حياة الهوان والذلّ والقهر.

شعرت بأنها تلوك كلماتها ثمّ قالت "بجنبك شكون؟" قلت لها لا … قالت لي هاتفك مراقب؟ قلت لها الله أعلم لكن موش مهمّ نحن لا نتكلّم في أسرار الدولة… أجابتني "والله كنت نكلّم في والدتي وقالت لي الوضع في البلاد ما يفرّحش والناس ميتة بالشرّ وما فمّاش أمان وحتى القمل رجع والبلاد داخلة في حيط"… ضحكت وقلت لها أمّك عندها الحق أمّا الفرق بيني وبينها أنّها من الصباح إلى الليل تتابع في بلاتوهات إعلام الإحباط والتشاؤم وتسمع في تحليل الخضّار والعطّار ورئيس الشعبة السابق، أمّا أنا مقاطعة جميع هؤلاء ونبني مواقفي من تجربة الحياة اليومية.

أمّك بعد الثورة وقع انتداب أولادها الاثنين في إطار تشغيل قدماء حاملي الشهادات العليا وزادت بنات بيت فوق الدار من غير رخصة وحلّت باب على الشارع المقابل ورئيس الشعبة السابق إلّي كان خانقها ويعدّ عليها أنفاسها ما ينجّم يقلّها حتى كلمة، ولمّا جاء أعوان البلدية سبّتهم وقالت لهم واحد يقرب نكسّر له رأسه بالبالة. وساعدوها جماعة النهضة سنة 2012 في استخراج بطاقة علاج مجانية وكلّ شهر تذهب للمستوصف وتأخذ الدواء بلاش… بالله موش "تأكل في الغلّة وتسبّ في الملّة"؟ ضحكت صديقتي وقالت لي "والله صحيح ناس تعلّموا من التلفزة كان التجويح".

نعم منذ الثورة وأغلبنا يبات يتذمّر من الوضع يصبح يسبّ في البلاد والعباد، ويختمها بلعن الثورة والتندّر ببرويطة البوعزيزي… لا شيء يعجبنا في هذا الوطن المكلوم جميعنا يتأفّف من جميعنا وكلّنا يسبّ كلّنا وأصابعنا تتجه نحو الأنا الآخر مُتهمة إيّاه بالبؤس أو بالتآمر.

نعم نحن شعب يحقّ فينا المثل القائل يأكل الغلّة ويسبّ الملّة، وهذه إشكالية علينا جميعا البحث عن وسائل ناجعة لمُعالجتها قبل أن تتحوّل إلى داء ليس له دواء. هذا لا يعني الدعوة إلى مُصادرة حقّ أي مُواطن في التعبير عن رأيه أو عن إبداء القناعات التي يؤمن بها، ولا يعني كذلك منع التحرّكات الاحتجاجية أو تحجير النضال من أجل المطالب المشروعة، لكن حين يتعلّق الأمر بأشخاص يأكلون الغلّة ويسبّون الملّة فلا بدّ من وضع علامة قف أمام هذا العبث الذي لم يعد ممكنا التعايش معه.

الأستاذ يلعن وضعه والمُعلّم يسبّ واقعه والطبيب يشتم الظروف التي يُمارس في إطارها عمله، الطالب غير راض عن المناهج التعليمية والأساتذة ليسوا مُستبشرين بمُستوى الطلبة والعمداء غاضبون من سلطة الإشراف والنقابة تتّهم الإطار الإداري بتعطيل إصلاح المنظومة الجامعية. هؤلاء جميعا يقتاتون من أموال دافعي الضرائب ويتلقوّن رواتب شهرية مُقابل ما يُقدّمونه من خدمات وفي ذات الوقت يلعنون الشعب والوطن ويتذمّرون من الواقع المُقرف الذي يرون أنّه لا يليق بمُستواهم التعليمي والأكاديمي. ويفرّون نحو بلدان "بول البعير" لتحسين وضعهم المادي تاركين خلفهم وطنا يئنّ وشعبا بحاجة لكفاءات حقيقية لبناء واقع أفضل.

لا أحد يتجرّأ ويسأل نفسه لماذا نحن نتدحرج نحو الهاوية؟ من يدفعنا نحو المُنحدر؟ ما مدى مُساهمتنا في تسريع وتيرة الهبوط؟ هل البلاد داخلة في "حيط" أم نحن بصدد بناء حائط المبكى؟

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات