البديل المفقود والخطاب المخاتل

Photo

بعيدا عن غبار المعارك غثّها وسمينها، أقلّب النظر باحثا عن بدائل أو أقلها مؤشرات بدائل للواقع الراهن تدبيرا وتفكيرا... لم تعد تهمّ العناوين، فقد تبيّن أنّ صحّة الفكرة أو الأطروحة، في عالم السياسة، لا تستمدّها من اتساق منطقها الداخلي وإنما هي مرتبطة بمدى نجاحها في اختبار الواقع التاريخي.

قرأت كلاما جميلا عن الدولة الاجتماعية... تبشيرا رومنسيا بحكم رشيد يتقاسم فيه الناس الكُسيرة اليابسة والبُقيلة الذاوية أياما، حتى يشتدّ عود الثورة ويعمّ رخاؤها، وكل يعد بجنان مذهبه ..

أحاول التصديق مرّة والتغابي أحيانا أخرى، بحثا عن طمأنينة إلى حلم مفترض... لا يهم أكان المبشر أزرقا أم أحمرا أم برتقاليا أو حتى... بلا لون... لكن العقل، مفسد الطمأنينة، يعرض لك الوقائع مسترسلة فيدفعك الى الكفر بهذه النسخ من الأحلام... منذ أواخر الثمانينات كانت إبداعات مدرسة التبعية تغوينا...

كنا نحاول فك ما استغلق من نظريات روادها: غوندر فرانك وفرناندو كاردوزو، سالسو فرتادو وراول بريبش وسمير امين... أفكار تسبح في عوالم التنظير الاقتصادي والاجتماعي عن التطور اللامتكافئ وعن التراكم على الصعيد العالمي... فك الارتباط بالمركز الامبريالي والتنمية المتمحورة حول الذات...

أطروحات تتعاقب ونظريات يعضد بعضها بعضا... كانت أقرب إلى عمليات ذهنية او معادلات منطقية... أما في التطبيق، فقد تقلد كاردوزو حُكم البرازيل بإمكاناتها الاقتصادية الكبيرة، وسيطر رفاقه على مقاليد الحكم في فينزويلا وبوليفيا وعدد اخر من دول أمريكا اللاتينية... لكن بعد سنوات قليلة يسترجع اليمين في نسخته الأسوأ (القومي الشوفيني) حكم البرازيل عبر الانتخابات وبعد ملاحقات قضائية للرؤساء السابقين…

أما فينزويلا فها هو وريث شافيز يكافح حتى يستطيع إنهاء مدته الرئاسية في ظل وضع اقتصادي بائس، جعل فينزويلا تعيش على المساعدات الغذائية رغم امكانات البلاد البترولية. وغير بعيد عن هذا الوضع اضطر رئيس وزراء اليونان ذي التوجه الاشتراكي الى ان يقبل شروط المؤسسات الدولية والأوروبية المانحة بعد ان كادت الازمة الاقتصادية تعصف بحكمه منذ بدايته...

لكن السؤال المطروح، هل أن اتباع الوصفات الجاهزة التي تعرضها هذه المؤسسات والصناديق مجدية؟ قطعا لا، فحتى الحكومات اليمينية التي سيطرت في عدد من البلدان الاوروبية، ها هي تعيش على وقع ازمات تكاد تذهب ببعضها. أما في هذه الرقعة من الارض فالحال اكثر سوء، على ما اظن... كل يحاول الإيحاء بحيازته للحل السحري، فاذا طلب منه التفصيل فلا يكون الرد أكثر من كلام عام على غرار; العدالة الجبائية ومواجهة التهريب وإدماج الاقتصاد الموازي، وبعضهم يضيف الى ذلك حديث عن امتناع عن خلاص ديون الصناديق الامبريالية (قلبة ببساطة) وفك الارتباط بها... وفي نفس الوصفة حديث عن زيادة الاجور وتعميم الرفاه... دون اي اتساق في الخطاب أو اهتمام بمدى واقعيته أو صلاحيته للتطبيق…

خلاصة القول... إنّ أزمة النمو في البلدان التابعة تحتاج جهدا مبدعا للتعامل مع هذه الوصفة من العولمة التي تداخلت فيها الاوضاع الاقتصادية بالهيمنة السياسية بالنزعة المافيوزية، بالاقتصاد الرمزي... وأسوأ الاحتمالات لمواجهتها هو الإطمئنان إلى الكراسات الصفراء أو الحمراء أو الزرقاء أو غيرها...

غير أنّه بيننا وبين الخطاب المجدي وحكمة التدبير مسافة من النضج والجهد، أول خطواتها نزع الهالة السحرية عن العالم بالمعنى الفيبري، بما يعجل بالتخلص من الفكرة الاسطورية التي تعتبر ان الواقع يمكن تغييره بالكلام او التمائم... وسيان ان كانت التميمة تراثية او حداثية او حتى ما بعد حداثية... فجميعها تمائم وإيديولوجيات تمامية لن تغني في واقع الحال شيئا مذكورا.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات