تونس وما بعد الإضراب العام

Photo

على خلاف كل التوقعات، مرّ الإضراب العام الذي دعا إليه الاتحاد العام التونسي للشغل من دون أعمال عنف أو تخريب. كان سلميا، لكنه شلّ البلاد، إذ استجاب إليه ما يفوق 750 ألف أجير في القطاع العام والوظيفة العمومية. وتجمع مئات آلاف النقابيين في ساعات العمل أمام مقرّات الاتحاد العام التزاما بالإضراب. ويبدو أن الاستجابة كانت بنسبٍ مرتفعةٍ في جل جهات البلاد، وتعطلت الموانئ والمطارات وكل المرافق العمومية، بما فيها الأكثر حيويةً وضرورةً، على غرار قطاعات الصحة والنقل الداخلي والتعليم والمالية.

ينص الدستور التونسي على أن "الحق النقابي بما في ذلك حق الإضراب مضمون". ويبدو أنه من الدساتير القليلة التي تحفظ هذا الحق كتابيا، إذ عادة ما تنص الدساتير الأكثر ديمقراطية على الحق في العمل النقابي. ولكن للتجربة التونسية خصوصيتها، في تاريخ قمع الإضرابات، ومنها إضراب "الخميس الأسود"، في 26 جانفي (يناير) 1978 الذي قمعه نظام الرئيس الحبيب بورقيبة.

ليس هو الإضراب الأول الذي يشنّه الاتحاد العام التونسي للشغل الذي يكاد يحتكر العمل النقابي في تونس، في ظل تردّد الدولة في تطبيق الدستور، وما أقرته المعاهدات الدولية، من ضمان الحق في التعدّدية النقابية، فقد شنّ الاتحاد، في سياقاتٍ مختلفة، ما يزيد عن ثلاثة إضرابات، جاءت فيما يراه دفاعا عن كيانه ومنتسبيه.

ونجحت الحكومة، قبل أسابيع، في توقيع اتفاق زيادة مجزيةٍ في الأجور مع الاتحاد، تُمنح لمنتسبي المؤسسات الحكومية والمنشآت العمومية. ولكنها لم تعقد الاتفاق نفسه لفائدة منتسبي الوظيفة العمومية (أكثر من 650 ألفا)، على الرغم من جلسات تفاوضية ماراثونية رأى فيها الاتحاد أن ما تقدّمه الحكومة لم يرتق إلى تطلعاته، في ظل انهيار المقدرة الشرائية التي عصفت بالفئات الشعبية، وتحديدا فئة الأجراء، في ظل الارتفاع المشطّ للأسعار.

تعتقد الحكومة التونسية أن التوازنات المالية للبلاد لا تسمح بتقديم مزيد من التنازلات، وإلا عصفت هذه الزيادة بتلك التوازنات الهشّة، خصوصا في ظل مديونية خارجية، وانكماش الاستثمار، وتعطّل النتاج في أكثر من قطاع، وأهمها قطاع الفوسفات، وركود السياحة، على الرغم من الانتعاشة الظرفية، ما حول الدولة إلى مقترض دائم لدى صندوق النقد الدولي وغيره.

يعتقد هؤلاء أن كتلة الأجور لا تتناسب مع حجم الميزانية. ولذلك يوصي الصندوق تحديدا بضرورة التحكّم في الأجور، وتخصيص تلك الديون لمشاريع التنمية، بما يحقق الثروة الحقيقية، ويصرّ على عدم تحويلها إلى الأجور.

في واقع اقتصادي صعب، ومطلبية مجحفة، وعجز الدولة، لأسبابٍ عديدةٍ، عن محاربة التهرّب الضريبي، ومكافحة الفساد، يجد الاتحاد العام للشغل كل مبرّراته لهذه المطالب. ويرى أن الحكومة لا تحارب الفساد بما يكفي، وأهمه التهرّب الضريبي الذي في وسعه تغذية ميزانية الدولة، بل ويتهمها بأنها اختارت جيوب الفقراء، لتسلبها الحد الأدنى، صارفة النظر عن الجيوب الملآنة بمال التهرب الضريبي والفساد، ولا يُخفي الاتحاد شكوكه في أن هذا الأمر غزلٌ تبديه الحكومة لأصحاب المال المشبوه، في أفق تمويل حملاتها الانتخابية المقبلة.

وترى الحكومة أن هذا الخطاب لا يخلو من شعبوية وطوباوية، وغير عقلاني، ويحن إلى زمن اقتصادي ولّى، في واقع معولم، أصبحت فيها المنظمات المُقرضة لاعبا دوليا لا يمكن إغفاله، وتوصياتها ليست إملاءات كما يصوّرها الاتحاد، بل هي حزمة إصلاحاتٍ على البلاد أن تقدم عليها، ولو لم يشر إليها صندوق النقد الدولي.

لم يخل الإضراب من تجاذباتٍ سياسية، جعلته بنكهةٍ سياسية، في ظل مطالب متصاعدةٍ باستقالة الحكومة قبل ستة أشهر من انتخابات تشريعية ورئاسية، يفترض إجراؤها في الخريف المقبل. ولم يخفِ الاتحاد، في تصريحات قادته أخيرا، طموحاتٍ سياسيةً لديه في ظل تعبيراتٍ غدت تتردّد باستمرار، تفيد بأن "الاتحاد معني بالانتخابات المقبلة"، وهي تصريحاتٌ ملتبسة، لم يفهم الرأي العام مغزاها، على الرغم من توضيحاتٍ عديدة.

أي هل سيخوض الاتحاد الانتخابات مترشحا في قوائم خاصة، أم في تحالفاتٍ مع آخرين، أم سيدعو إلى التصويت لقوائم بعينها. علما أن للاتحاد تجارب لم تكن مثمرة، بل كانت دوما تصب في حسابات غيرها. ويبدو أن هذا الأمر لا يجد لدى قواعد عديدة للاتحاد الحماسة الكافية، لأنها متحزّبة، تختار عند دخول صندوق الاقتراع التصويت لأحزابها، مفضلةً أن يكون الاتحاد متفرّغا للشأن النقابي، أو معدلا للسياسات العمومية على نحو ضاغط، ومعارضة نقابية فقط.

انقضى الإضراب من دون أي حوادث عنف، أو تخريب، وهو تحدٍّ ربحه الاتحاد، خصوصا في ظل التخويف من خميسٍ دام، والتلويح بعدم انضباط القواعد. ولكن لا شيء يؤكّد أن الأزمة عبرت سماء البلاد المتلبدة في ظل غلقٍ متواصلٍ للمؤسسات التعليمية، بعد إضرابات نقابات التعليم الثانوي، وقد تتلوها إضرابات أخرى، لعل أهمها إضراب أساتذة التعليم العالي.

ستشهد الأيام القليلة مزيدا من الحراك السياسي النقابي، قد تدفع إلى مزيد من التوتر الاجتماعي والسياسي. ولكن الأرجح أن يعود الجميع إلى المفاوضات، لتجنّب مزيد من الخسائر التي تراكم عجز البلاد وصعوباتها الاقتصادية. الإضراب حق، ولكنه ليس حلا لأزمةٍ تستفحل أكثر فأكثر. الكل يرقب يوم 26 يناير/ كانون الثاني الجاري، في ظل تهديد الاتحاد بمزيد من التصعيد، فذاكرة البلاد لم تتعافَ بعد من ماضٍ مؤلم.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات