هل كان الغنوشي "ديمقراطيا"؟

Photo

بقي حراك "الإسلام السياسي" السنّي طوال العقود السابقة يدور فكرا وممارسة في حدود الأفق الذي يتحكّم فيه "الإخوان المُسلمون" والتنظيمات القريبة منهم.

ومع بداية الألفية الثالثة برزت ظاهرة تنظيمات الإسلام السياسي "الراديكالية" كالقاعدة والدولة الإسلامية (داعش)، كما بدأت حركات أخرى ارتبطت في بدايات تأسيسها بتنظيم الإخوان إلى الاتجاه نحو "الوسطية" و"الاعتدال" كحزب العدالة والتنمية في المغرب وحركة النهضة في تونس وحزب العدالة والتنمية في تركيا.

ولعلّ الظروف الثورية التي مرّت بها بعض البلدان العربية، وما صاحبها من فشل حركات ما يُسمّى بــ "الإسلام السياسي" في إدارة الشأن العام وعدم توفّقها لتحقيق انتظارات الجماهير، وظهور الجماعات المُتطرّفة والمُتشدّدة ذات المرجعية الفكرية الإسلامية التي تعتقد في أنّ المرجعية تكون للشريعة وليس للجماعة، وبما أنّ الحركات الإسلامية لم تستطع حين استلامها السلطة تحقيق هذا النمط من الحُكم الذي طالما رفعت شعاراته: "الخلافة" و"تطبيق الشريعة" و"الإسلام هو الحلّ"... كان لا بدّ من تدخّل الحركات "الراديكالية" لتتولّى الأمر ولو باستعمال العُنف والقوّة.

داخل هذه السياقات اكتشفت حركات "الإسلام السياسي" محدودية قدرتها على تحقيق مشروعها الحضاري في مواجهة كمٍ هائل من المآزق. فقد كانت طوال العقود الفارطة، ومُنذ نشأتها، تتبنّى الفكر الإحيائي الإسلامي وترسّخ لدى قواعدها فكرة أنّ تطبيق الشريعة ركنٌ من أركان الدين، ولمّا توفّرت فرصة تطبيق ذلك أخفقت ولم تستجب لانتظاراتهم ولم تلبّ رغباتهم، ففاجأها من تربّى في رحمها ونشأ على فكرها بسحب البساط من تحتها ليحتكر لنفسه الفكرة والكلام باسم المشروع.

ظنّ الشقّ المُعتدل داخل حركة النهضة التونسية، وقد كان أغلب رموزه مُقيمين بالخارج (بريطانيا وفرنسا وألمانيا والخليج) أنّ باستطاعتهم ترويض قواعدهم، وأنّ بإمكانهم استعمال خبرتهم وتجاربهم والاعتماد على حلفائهم (الإقليميين والدوليين) لتحقيق مشروعهم.

لكن يبدو أنّ هؤلاء "المُعتدلون" فشلوا في السيطرة على أصحاب الخطابات الإحيائية داخل الحركة وخارجها، ووقع تجاوزهم وسحب فكرة تحقيق "المشروع الحضاري" من بين أيديهم. لم يعد المجال الديني في تونس حكرا على حركات الإسلام السياسي التقليدية (النهضة وحزب التحرير والإسلاميين التقدّميين)، بل بات شبكة مُتعدّدة الأقطاب ومُتباينة المُتكلّمين ومُختلفة الوُجهات، وتحوّل الحقل الديني إلى حلبة صراع وتمايز تُستعمل بداخله جميع وسائل التعبئة والتجنيد من أجل تحقيق التوزّع والتوسّع والانتشار واحتكار أحقية التكلّم والتوسّط.

ويبدو أنّ راشد الغنّوشي رئيس حركة النهضة، بخبرته وذكائه وروابطه المُشتبكة والمُتشابكة قد استوعب الدرس سريعا، فسعى أوّلا إلى التخلّص من صفة الإسلام الإحيائي التي ربطت حركته بالتنظيم الدولي للإخوان المُسلمين، وأعاد طرح سؤال الأصل والمنشأ الذي أثار سجالا كبيرا خلال الأشهر الأخيرة (الانتماء إلى مدرسة عبد العزيز الثعالبي)، ثمّ ها هو اليوم ومن منبر إعلامي عربي واسع الانتشار يطرح أسئلة جديدة (قديمة بالنسبة إليه) من أجل تعديل البوصلة في اتجاه السير قُدما نحو الوُجهة الإصلاحية "المُتَلَبْرِلَة"، مُستشهدا بالحركات التي ظهرت خلال عشرينات القرن الماضي والتي كان من بين رموزها محمّد عبده ومحمد رشيد رضا والطاهر بن عاشور وعبد الحميد بن باديس. فقد كانت تلك الحركات الإسلامية نهضوية تتخذ من الغرب والتحديث مرجعية لها داعمة ذلك بالاستناد إلى الكتاب والسنة.

لكن هل كان الغنوشي إحيائيا، حتى يسعى اليوم إلى تعديل البوصلة؟ وهل إن مُقاربته في معالجة مسألة الديمُقراطية فرضتها السياقات الجديدة أم هي مُتأصّلة لديه؟

تلك أسئلة مُتفرّعة كثيرة يُحاول هذا المقال المُقتضب البحث فيها دون الخوض في مسائل حركية وتنظيمية، فقط بالاعتماد على مقول الغنوشي وفكره. من أجل هذا كانت نقطة الانطلاق من كتاب "الحريات العامة في الدولة الإسلامية" الذي صدر سنة 1993، وهو مجموعة أفكار اجتمعت ونضجت حسب قول الكاتب خلال "محنة السجن الأول (من 1981-1984)". يتحدّث الغنوشي في كتابه عن الحريّة وحقوق الإنسان في الإسلام، وعن مفهوم الديمُقراطية في بلاد الإسلام ولدى الغرب "لقد بدا لي واضحا أنّ الديمقراطية مثلا ليست مفهوما بسيطا، كما يُظنّ، وإنها ولئن قدّمت مفاهيم للحرية وأجهزة لتجسيدها وترشيح الإجماع في مُجتمع قومي محدود، ويُمكن وصفها في الجملة بأنّها "لا بأس بها" أو هي أقلّ الموجود سوءاً، فهي أبعد ما تكون عن الكمال والخير المُطلق، إنّها لا تعدو كونها مُمكنا من المُمكنات..." (ص 14 )

ما نُلاحظه ونحن نتصفّح كتاب الغنوشي أنّ الرجل يتقدّم بحذر شديد، حيث يبدو أنّ هناك حسب قوله "طائفة من المؤمنين ضحايا الاستبداد" يوجّهون سهامهم نحو الديمقراطية مؤكّدين تناقضها مع الإسلام وخطرها عليه. بدا الغنوشي في تلك الحقبة التاريخية وكأنّه يتحرّك داخل حقل ملغوم، هو يبذل قصارى جهده لطمأنة أتباعه بالصفة الجوهرية للحركة التي هي "الإسلامية"، فيقدّم كتابه بقوله "هذا الكتاب مُؤسّس على قناعة تامة بصلاح الإسلام لكلّ زمان ومكان، لأنه كلمة الله الأخيرة، فهو دين الفطرة، المُعبّر عن أشواقها وحاجاتها الإنسانية العميقة..." (ص 14) ثمّ يجتهد في التدليل "على أنّ الإسلام يُرحّب بالتنظيم الديمقراطي الحديث من حيث هو جملة من الترتيبات في اتخاذ القرار في الجماعة... ومعلوم أنّ تحقيق ذلك مقصد عظيم من مقاصد الإسلام في تنظيم الشأن العام..." (ص 15). وينتهي بطرح سؤال التحدّي على "طائفة المؤمنين" الذين جعلوا شُغلهم الشاغل وديدنهم تسفيه الديمقراطية: "فمن أين يأتي الزعم بأصالة التناقض؟".

يذهب الغنوشي في كتابه الذي اعتبره حصيلة تأمّلاته التي خرج بها من المُعتقلات، إلى حدّ الإقرار بوجود مساحة واسعة للاشتراك والتداخل بين الإسلام والديمُقراطية وأنّه سيدخل ساحات النضال ضدّ الديكتاتورية، مُتسلّحا "بهذين السّلاحين: الإسلام والديمقراطية".

يبدو أنّ الرؤية كانت واضحة منذ البداية، بالنسبة له، فهو يعتبر أنّ أصحابه الذين وقع اعتقالهم "يدفعون ضريبة دفاعهم عن الإسلام والحرية والديمقراطية ومُقاومة الاستبداد، وإصرارهم على مُواصلة حركة التحرّر الوطني لإنجاز استقلالنا الثقافي والاقتصادي في مواجهة خطط العولمة والدّمج" (ص 17 ).

هكذا فكّر الغنوشي ونظّر إذًا منذ تسعينات القرن الماضي (1992)، وبهذا العقل خاض معركته مُعتبرا أنّ المعركة الفاعلة مُزدَوَجَة: "فهي من جهة، بين كتائب أمّتنا الرافضة للتسلّط الدّولي الصهيوني على أرضنا ومواردنا ومُقدّساتنا... والرافضة قبل ذلك، الاستبداد الداخلي والعدوان على حقوق الإنسان، مهما كانت المُبرّرات والعناوين، والحوار أيضا والتلاقي في الخارج والنضال المُشترك مع أنصار الحرية وحقوق الإنسان وحرية الشعوب، مهما اختلفت مذاهبهم ودياناتهم. فهم حيثما كانوا أصدقاؤنا في الحاضر والمُستقبل، وبالخصوص الحركة العالمية المناضلة من أجل عالمية بديلة عادلة، والعمل - من جهة أخرى- على بلورة المشروع الإسلامي المُستوعب لثمرات الجهد البشري، مُتجاوزا مواطن الفشل والسقوط وتشيّؤِ الإنسان وتسليع القيم".

ولعلّ الذين تفاجئوا بتصريحات الغنوشي الأخيرة، والذين لم يستسيغوا طريقة تعاطيه مع الشأن العام السياسي منذ عودته إلى تونس بعد ثورة 17-14 ، هم بحاجة إلى قراءة فكر الرجل والبحث بين خباياه عن السياقات التي كان يتحرّك بداخلها والتي ربّما تكون فرضت عليه أن يعتبر "أنّ أهمّ الأفكار الواردة في الكتاب هو موقف شخصي، لا يحمل تبعاته غير المؤلّف..." كما يشير الغنوشي إلى أنّ الكتاب "مثّل يوم ظهوره، الذي تأخّر سنوات بسبب المحن، صوتا غريبا في الساحة الإسلامية، لدرجة الاستنكار والتكفير، إلاّ أنّها غدت بعد التحرّك بها في أوسع الساحات الإسلامية، ليست معروفة فحسب، بل أزعم أنّها تجد قبولا متزايدا في الوسط الإسلامي وحتى العلماني المُعتدل، ومثّلت عامل تطوير مهمّ لجملة الساحة الإسلامية في اتجاه التفاعل الرشيد مع الواقع والبحث عن المُشترك وتغليب جانب الحوار والتعاون والتطوير على الصّدام والقطيعة" (ص 16).

قد يكون الغنوشي يمرّ بمأزق استراتيجي مثله مثل بقية حركات "الإسلام السياسي"، وقد يكون فقد جزءاً من المشروع الإسلامي، الذي يرى البعض أنه أصبح قاصرا مثله مثل المشروع القومي، لكن ذكاء الغنوشي وشبكة علاقاته وتشابك روابطه، تجعلانه يُحسن إعادة التموقع خارج دائرة "الإخوان" ليتجنّب مُواجهة الأنظمة الخليجية التي ساندت العسكر في مصر للقضاء على حكم "الإخوان"، والحفاظ على حماس الأمريكيين ومُساندتهم لفكرة مُشاركة التيّارات الإسلامية في الحكم. كما يبدو أنّ الغنوشي كمُفكّر إسلامي يعمل جاهدا على تجاوز القصور الذاتي الذي يُعاني منه "المشروع الإسلامي"، وعلى تطوير رؤيته للعالم ورؤيته للدين وللدولة ولمؤسّسات المُجتمع. وربّما نلاحظ من خلال مُعاينتنا للأداء السياسي للغنوشي خلال الخمس سنوات الماضية، أن الرجل استطاع في فترة وجيزة أن يحوّل "مشروعه الإسلامي" إلى مشروع سياسي عملي قادر على معالجة أوضاع اللحظة التاريخية الراهنة ببراغماتية أذهلت أنصاره قبل مُعارضيه.

نعم قد يكون الغنوشي بصدد القطع مع أشكال التعامل التقليدي مع الإسلام، بعد أن أيقن أنّ مشروعه وقع بين فكّي التطرّف- الحداثي/ الإسلامي-، واقتنع بأنه من الضروري بالنسبة إلى حالة تونس بناء مشروع إسلامي جديد يقطع مع التديّن المُتشدّد ذي الطابع الشعائري، وأن يؤسّس لمشروع يكون للمُسلمين فيه دور في تنظيم حياتهم السياسية من دون أن يكون ذلك عن طريق إقامة دولة دينية. وقد يكون الغنوشي كذلك بصدد الكشف عن أسس مشروعه الذي فرضت عليه السياقات القديمة إخفاؤها وعدم الإفصاح عنها، ووقفت انتظارات أتباعه الإحيائيين والأصوليين عقبة في طريق تحقّقها. وقد يكون الغنوشي أيضا بصدد بناء حراك "المُسلمين الديمُقراطيين" لكسر الطوق الذي وُضع بداخله "الإسلام السياسي" ولتصحيح مسار لم يختره ولكنّه وجد نفسه يسير في اتجاه سربه حتى لا تُسحب منه المُبادرة.

يبدو أنّ الغنوشي الزعيم السياسي قرّر القطع مع العقلية البروتستانتية المُتحمّسة للدفاع عن الدين، ولم تعد مؤسّسة المسجد الذي أصبحت تَتنازع منابره عدّة جهات، تُمثّل الأرضية التي ينطلق منها لأنّ رسالته لم تعد "دعوية" وإنّما "سياسية". ويبدو أنّ الغنوشي المُفكّر والفيلسوف تجاوز الجدل الحاصل بين الأشاعرة والوهابية وبين عبد المجيد الشرفي ونصر حامد أبو زيد وقرّر أن يكون "الوسيط المُتعقّل" بين الأنظمة وشعوبها و"المُرشد المُستنير" بين الشعوب وإسلامها.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات