الثورة والطعن من الخلف

Photo

حينما توجّه الباجي قايد السبسي للمواطنين بصفته "رئيسا للجمهوريّة التونسيّة"، وركّز حديثه على ما يشهده حزبه (نداء تونس) من خلافات داخلية ومن بوادر انشقاقات.. اعتبر العديد من الناس ذلك مهزلة.. والحقّ يقال أنّ المهازل تفقد عادة صبغتها الصادمة، إذا ما وضعناها في سياقها، وضمن ترتيبها في سلّم الأحداث، وربطناها بمهزلة البدء (originelle).. فالرجّل ترعرع، وكبر إلى حدّ التكلّس في منظومة دولة الحزب الواحد، وحزب الرّجل الواحد.. وأخرجته الأقدار وحسابات الأحزاب والسفارات من تقاعده المريح، لتقذف به إلى مرتبة "المُخلّص المنقذ" مرّتين: الأولى حينما دعته إلى تحمّل أعباء "المرحلة الإنتقالية" والثانية إلى قيادة البلاد شعبا وجيشا لمرحلة لم تعد "انتقاليّة"، بل بدت منذ ارهاصاتها الأولى انتقاميّة من ثورة كادتْ تقضي على أخضر منظومتي الفساد والإستبداد ويابسهما.. لن أتوقّف عند الظروف والملابسات التي حفّت بإخراج العجوز البايليكي البورقيبي التجمّعي من تقاعده المريح، ولا عند البحث عن الأطراف التي سعتْ جاهدة (عن سابق إضمار أو عن بالغ غباء) ونجحت في مخطّطها الكابح لجماح الثورة لتحوّلها من مهدي منتظر إلى مسيح دجّال.. لن أتوقّف عند ذلك، فقد توقفت عنده في كلّ ما كتبته قبل وبعد 14 جانفي 2011..

أردتُ، فقط، هنا، الوقوف عند تعجّب المتعجّبين.. المهزلة هو اعتبار ما يجري في تونس مهزلة..

ماذا تنتظرون من "دولة" الانقلاب على الثورة؟

أنتم يا من أغرقتكم التحاليل، واستشراف المستقبل المظلم.. كإمكانية حدوث انقلاب على منوال سيسي مصر مثلا، المستقبل بات وراءكم (تنتظرونه من الأمام فجاءكم من الخلف).. الانقلاب الذي تخشون وقوعه حصل ونجح في 2014، وقُضِيَ الأمر..

هلاّ تساءلتم، يا أُولي الألباب، عمّا حدثَ منذ موفّى 2014 إلى اليوم؟ ولا أقصد ما حدث في "ملعب" الثورة المضادّة فذاك بيّن ومن تحصيل الحاصل.. أقصد ما حدث في الصفّ الذي يدّعي الانتساب للثورة.. أحزابا ورموزا (مع تحفظي التام على التسميتين في الحالة التونسية)..

لقد وقع التفكيك الممنهج لكلّ محاولات تأطير الزّخم الثوري الممتدّ منذ زخم القصبة واحد إلى زخم حملة المرزوقي الرئاسيّة.. تأطيره في شكل قوّة سياسيّة رادعة..

ما العمل وقد تمّ طعن الثورة من الخلف؟ أجلْ! هذا ما يجب الإعتراف به أمام مرآة ضمائرنا..

خلاصة الكلام أنْ لا مستقبل اليوم لأيّ مشروع يسعى أو يدّعي أنّه يسعى إلى إعادة بناء صفّ الثورة، وإلى إنقاذ البلاد ممّا تعيشه ومما يتنظرها غدا من مآسي خطيرة وفي هذا المشروع:

- شخصيّات انتمتْ إلى هيئة "عياض بن عاشور

- شخصيّات وأحزاب انتمتْ إلى المجلس "التأسيسي"

- الحوانيت الحزبية المترهّلة وأحزاب الانتصاب الفوضوي

- شخصيات صنع شهرتها و"شرعيتها" إعلام الثورة المضادّة

- أهل الفقه من رجالات القضاء والمحامين وخبراء القانون، لغلبة البعد الإجرائي لديهم.. ولمنافاة هذا البعد لروح الثورة، وقد برهن سلوكهم خلال السنوات الأربع المنصرمة ذلك.

قد يبدو في كلامي مغالات ومجانبة للواقعية.. وهو كذلك.. فالواقعيّة والثورة لا يلتقيان.. الواقعيّة والاتزان يعقبان الثورة والهيجان.. اقرأوا التاريخ.. الثورات ترتكز على وعي جديد وعلى الإرادة والحدس..

المشروع يبدأ إذًا، ببناء الوعي الجديد، وشحذ الإرادة، وسبر الحدس.. والقطيعة والتأسيس يسبقان الثورة نفسها..

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات