"الجسد" بين "انتحاري" شارع محمد الخامس و"عرابنية" أيّام قرطاج السينمائية

Photo

لا خلاف في أنّ "الإرهاب" ظاهرة تزامن انتشارها مع ظهور مُجتمعات التقانة أو ما يُطلق عليها مانويل كاستلز تسمية المُجتمع الشبكي. ولا خلاف كذلك في أنّ نُشطاء الثقافة ونُشطاء الدين على حدّ السواء، حين لا ينتقلون بفعلهم من مُجرّد الحرفة أو المهنة التي تدرّ عليهم المال والشهرة، إلى ممارسة واعية وخطاب مسؤول تُساهم في بناء وعي مُجتمعي، يجوز لنا تصنيفهم ليس في خانة "المُثقّف العضوي" بالمفهوم الغرامشي ولا في خانة "المُصلح الاجتماعي" كما عند محمد عبده ومحمد رشيد رضا، وإنّما في خانة من يُطلَق عليهم تسمية "العرابنية" أو لنقل تقنيي الثقافة وتقنيي التديّن.

حين ننطلق من مشهد "الانتحاري" الذي فجّر جسده ليُعبّر عن رفضه لشيء ما لا يتماهى مع قناعاته ومُعتقداته وانتظاراته داخل مُجتمع التقانة، الذي من أهمّ سماته ليبرالية مُعولمة ورأسمال مُتوحّش، ثمّ نُقارنه بسلوك "عرابنية" وزارة الثقافة الذين عرّوا أجسادهم ليُبدوا رضاهم التام على النظام العالمي الجديد بقيمه المُلبرلة ونمطه المُتعولم، وليُؤكّدوا لجمهور المُشاهدين أنّهم ينتمون إلى مُجتمع التقدّم والتكنولوجيا، نخلُص إلى القول إنّ "الانتحاري" و"العرابني" كلاهما يُحرّكه الآخر المُغاير ثقافيا وحضاريا، وكلاهما يستعمل "جسده" كلغة (عنيفة/ ناعمة) لتبليغ موقف.

إنّنا حين نحلّل فعل "الانتحاري" نعاين جسدا تراكب بداخله البؤس والفقر والغباء وعقلا تراكم بداخله الجهل الغضب والتشاؤم (المؤدلج). هذا الجسد الذي يحمل عقلا يفتقر إلى أبسط أدوات الفهم والقراءة والتأويل، حوّلته الأجهزة القمعية (البوليس) والأيديولوجية (الثقافة والدين) للدولة الراعية لمصالح أخطبوط المال والسياسة، إلى حزام ناسف تستعمله شبكة شبكات الإرهاب المُنظّم في معاركها من أجل الهيمنة السياسية والاقتصادية والفكرية. إذن جسد "الانتحاري" في عالم التقانة المُتعولمة ومُجتمع الشبكات وأسواق الخيرات الرمزية ليس سوى "سلعة" أي قنبلة يقع تفجيرها (ويتوهّم صاحب الجسد أنّه هو من فجّر نفسه) في معارك أحقية الهيمنة على شبكات الدين وشبكات الثقافة وشبكات السياسة وشبكات مال.

من جهة أخرى حين نحلّل فعل "العرابني" نعاين جسدا تراكبت بداخله مظاهر الترف والنعيم والغباء وعقلا تراكم بداخله ادّعاء المعرفة والغضب والتفاؤل (المؤدلج). هذا الجسد الذي دُفِع أصحابه دفعا (في سياق معركة أيديولوجية يراد تأجيجها) باستعراض أجزائه مُفتّتة (نهد وفخذ وجيد وقفا…) هو يعكس غياب العقل حيث لم نُعاين مُمارسة أو فعلا لدى هؤلاء الناشطين في مجال الثقافة، توحيان بوجود عقل يُفكّر ويُدبّر ويقرأ ويُفسّر. هم فقط يُقدّمون للمُجتمع مشاهد لأجساد أجزاؤها المكشوفة لا تُحيل سوى على الغريزة ولا توحي إلاّ بممارسات النصف اللاّعاقل داخل الإنسان.

ما تعلّمناه في الكتاتيب والمدارس القرآنية أنّ الإنسان خُلق من روح وطين لازب. وأنّ الله ميّز الإنسان عن بقية المخلوقات (بإنسها وجانها) بالعقل والمعرفة. كما درسنا في الكُتب والمدارس أنّ المواقف الغاضبة لا تُنتج غير الوعي العنيف الذي يتراكم فيتحوّل إلى خطاب "إرعاب" وممارسة "إرهاب". لأنّ هذا الغضب يقترن في حالات كثيرة بـ"عقل وجداني" يجنح إلى النقد والرفض والنفور. وذلك هو على وجه التحديد ما جرى مع "الانتحاري" الذي ظنّ أنّه حين يفجّر نفسه يُنفّس عن غضبه ويُعبّر عن رفضه لسلطة الإكراه والأيديولوجيا المكرورة في نمط مُجتمعي ترعاه "دولة حديثة" لا يعترف بوجودها. وهو نفسه ما جرى على مدارج سينما قرطاج حين استُعمل جسد الأنثى كلغة ناعمة للتعبير عن رفض "الهذيان السياسي" الذي يُعزّز هيمنة "الإسلام السياسي". فحين اكتشف "اليسار السياسي" أنّ "اللسان المُقذع" لم يعد يؤدّي دورا في معركة التموقعات السياسية، رأى أنّ "الجسد" هو الذي يتعيّن التوسّل به لإحداث الأثر، حيث ظنّوا أنّ اللغة الناعمة التي تُضمر "إرعابا" و"عنفا" هي التي تليق بعقول وجدانية غاضبة.

بهذه اللغة "الناعمة" التي تُخفي عقولا غاضبة وعنيفة تتوسّل سلمى بكّار في تغريدتها الفايسبوكية للدفاع عن نمط عرابنية "الصدور العارية" فتقول "الذين لا تُعجبهم الصدور العارية يبقوا في منازلهم ولا يأتون لحضور فعاليات اختتام أيام قرطاج السينمائية".

فهل هناك "إرعاب" أكثر من هذا التغريد المُتصلّب الذي يصبّ جام غضبه ليس على "الإسلام السياسي" فقط وإنّما أيضا على بقية فئات المُجتمع بتقدّمييهم ويسارييهم وقومييهم الذين ليسوا مُرتاحين إلى نهج الأجهزة الأيديولوجية للدولة في مقاربة القضايا الدينية والثقافية والتربوية؟

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات