لماذا يُغيّبون شطر المُجتمع عن بلاتوهات الإستبلاه المُنظّم؟

Photo

لنُسلّم جدلا بأنّ "الإرهاب" صُنع في المساجد وأنّه فيروس بثّه شيوخ التطرّف وبول البعير في عقول شبابنا. لكن لنتّفق مُسبقا على أمرين: أوّلهما أنّ الإرهاب يضرب الكافر والمُسلم على حدّ السواء دون تمييز اللون ولا العرق ولا المُعتقد ولا درجة الإيمان ولا منسوب اللاّإيمان وبالتالي المعركة ضدّ الإرهاب تعنينا جميعا وبدون استثناء. أمّا الأمر الثاني، وهو علمي وموضوعي ومُثبت مخبريا، أنّ مصل ترياق أي فيروس يقع استخراجه من الجسم نفسه الذي تشكّل بداخله الفيروس وكبر وترعرع.

ولنفترض أيضا أنّ السياسيين والإعلاميين والخبراء، بجميع تصنيفاتهم، أكبر همّهم ومبلغ علمهم إيجاد الترياق المُناسب لمُقاومة هذا الفيروس المُدمّر للحياة والمُفسد للعقول الإنسانية. فهل ما يقع ترويجه وتسويقه من خطابات على بلاتوهات الإعلام ومنابر التواصل توحي بأنّ التحاليل والقراءات المُتناثرة على قارعة القنوات التلفزية الرسمية والخاصة هدفها العثور على السمّ الأكثر نجاعة لصناعة الترياق الأكثر جدوى؟ أم هي تضيف للفيروس سمّا آخر يقوّيه ويجعل تركيبته أكثر تعقيدا ومُعالجته أكثر استعصاء؟

حين ندقّق في جميع ما يُقدّم من تحليلات وقراءات وتأويلات على بلاتوهات الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب، نلاحظ بشكل بائن وصريح غياب المنهجية العلمية والبحث المُحايد والموضوعي في مُقاربات مُعالجة إشكاليات "الإرهاب" وخاصة تلك المُتعلّقة بالموارد المادية والرمزية التي ساعدت على تفشّي هذا الداء داخل جسم المُجتمع.

عين ما نُلاحظه في التعاطي الإعلامي مع الوقائع المُتعلّقة بالإرهاب هو التغييب التام والمُمنهج، وأظنه مُتعمّدا، للفاعلين الاجتماعيين من أولياء وأيمّة وخُطباء ومُربّين وبيداغوجيين وعلماء نفس وعلماء اجتماع مُتخصّصين في دراسة المسألة الدينية. وكذلك نُلاحظ أنّ أغلب المُتحدّثين الذين أعطوا لذواتهم حقّ التكلّم باسم المُجتمع ينتمون إلى نمط مُجتمعي مخصوص، لا يُمثّل جميع التونسيين من شمال البلاد إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها.

إنّ تونس منذ عهد الاستعمار وقع شطرها إلى نصفين وعيا وأنماط عيش، نصف عصري و"حداثي" ونصف تقليدي و"مُحافظ". وكرّست دولة الاستقلال وريثة دولة الاستعمار (مؤسّسات ومشاريع) هذا الانشطار الهووي وعمّقته منذ قرّرت فرض توحيد التعليم وعصرنته وخاصة حين عمدت إلى غلق جامع الزيتونة وإنهاء دور الكتاتيب والمدارس القرآنية في التربية والتنشئة الاجتماعية.

قرّر بورقيبة (ولا نلومه على ذلك لأنه كان صاحب مشروع) أن يبني مشروعه "التحديثي" على أنقاض مُجتمع تونسي تقليدي ومُحافظ، فعجّل بإصدار قوانين تتعلّق بالحالة المدنية، وسرّع في عملية صناعة تحوّلات في النمط المُجتمعي التونسي. ولعلّ ما نعيشه اليوم من انفصام في الشخصية لدى أغلب الشباب سببه قلق وارتباك داخل الأسرة وصراع بين جيلين ونمطي عيش، ممّا نتج عنه تشويشا وعدم وضوح في عناصر الانتماء الثقافي والمُواطني. وقد تجلّى هذا التشويش في بروز ظواهر اجتماعية جديدة كالأمهات العازبات وعزوف الشباب على الزواج والعلاقات خارج إطار الزواج والإقبال على تعاطي المُخدّرات، إلى جانب مظاهر اللاّمعيارية والفوضى والعنف التي أصبحت تُمارس داخل مدارج ملاعب كرة القدم. وفي الجهة المُقابلة انتشرت مظاهر التدين المُتطرّف وأقبل الشباب على قنوات التديّن الوهابي وانخرط جزء من المُجتمع في سجالات غريبة على ثقافة المُجتمع التونسي وعلى إسلامه المالكي الوسطي والمُعتدل.

إنّ التغيير الذي فرضه بورقيبة على المُجتمع التونسي خلال خمسينات القرن الماضي، لم يأت نتاجا لوعي جماهيري ولم يكن مطلبا لحركة اجتماعية مخصوصة، ولهذا لم تقع مُراكمته ولا الحفاظ عليه لأنه ببساطة لم يسبقه بناءً مُتعقّلا لواقع جديد، ولم تُصاحبه عملية تأسيس لقيم ووعي اجتماعيبن مُتناسقين مع هذه التغييرات التي جاءت في أغلبها مُسقطة ومُرتجلة، أو لنقل لم تكن تعني جميع أطياف المُجتمع التونسي. ولذا وفي أوّل مُنعرج اعترض "الدولة الحديثة" سقطت البلاد والعباد فريسة لمافيا بن علي والعائلات المُصاهرة والفئات المُتمعّشة من فساد النظام وتسلّطه وتكلّس مفاصله. وفي أوّل رجّة هزّت البلاد سقطت الأقنعة وانكشف المستور وتعرّت الأوهام واكتشفنا جميعا عُمق الزيف.

ما يهمّنا هنا هو سؤال لماذا يقوم الإعلام التونسي، الذي يُهيمن عليه النمط المُجتمعي الذي اخترعه بورقيبة، بتغييب نصف المُجتمع التونسي الذي بقي خارج الاختراع؟ أين هو نصف المُجتمع الذي يتأرجح بين إنجازات مُعجزة "الدولة الحديثة" والغياب التام للدولة ومؤسّساتها؟ لماذا تتجاهل "النخب الفكرية والسياسية" التي كرعت من إناء "الدولة الحديثة" ثمّ شربت حتى الثمالة من كأس "دولة الفساد والاستبداد" هذا الشطر من المُجتمع الذي لا يدري هل يُصدّق ما يرويه لهم أبناؤهم، الذين غادروا إلى بلاد كريستينا، عن تونس متاع البطاقات البريدية والومضات الاشهارية أم يُصدّقون واقعهم البائس الذي لا يُبصرون من خلال ثُقبه وتهرّئاته غير الإذلال والفقر واللاّكرامة؟

لماذا يتّهم "المُثقّف التقليدي" الذي تمتّع طوال خمس عقود أو تزيد بامتيازات "الدولة الحديثة" ومنافع "دوبة الفساد"، الإسلام ولا يتّهم سياسات التفقير والإذلال واللاّعدالة التي اتبعتها مُخطّطات تنموية جعلت من العاصمة والمُدن الساحلية مركزا لاهتماماتها؟ لماذا توجّه نخب بورقيبة وبن علي سبّاباتها نحو مساجد وصومعات ولا توجّهها نحو نظام عالمي جديد ليبرالي ومُعولم، ورأسمال مُتوحّش وسوق مفتوحة على مصرعيها للتنافس الحرّ والتنازع غير الشريف بين مافيا المال والمُخدّرات؟ لماذا لا يقرؤون المشهد بجميع اللّغات؟ ولماذا يُغيّبون نصف المُجتمع عن بلاتوهاتهم المؤدلجة؟

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات