الراعي والرعاة و تنافس"الإرهاب" المحلّي.

Photo

تزامن قطع رأس الراعي الصغير باحتفال "الرعاة" الكبار بجائزة نوبل للسلام، وتزامن بثّ مشهد رأس الراعي المقطوعة من الوريد إلى الوريد، بعدم دعوة قناة البثّ "الوطنية" لحضور حفل تكريم "رعاة" الحوار الوطني الذين جنّبوا البلاد والعباد ويلات الإرهاب والخراب، وتمكّنوا، على ما يُقال، بفضل حكمتهم ورجاحة رأيهم من إنجاز انتقال ديمقراطي سلمي وسليم، ما يمثّل، حسب وجهة نظر المُحلّلين والخبراء، أمرا غير مسبوق في التاريخ المُعاصر لبلدان العالم "الثالث" الذي تميّزت أنظمته السياسية بالديكتاتورية وتميّزت ثوراته بالانقلابات على الشرعية وتميّزت شعوبه بالتشاؤل والبؤس.

لا أحد يشكّك في وجود فيروس "الإرهاب" ولا أحد يشكّ في أنّ وراء الجبل غول يتربّص بالخارجين على السرب، ولا أظنّ أن يكون من التعقّل والحكمة تجاهل خطر هذا الفيروس الذي بات يهدّد جميع شعوب العالم، ولعلّه يُذكّرنا بفيروس "جنون البقر" وفيروس "كورونا" الذي انتشر خلال السنوات الفارطة ليختفي دون أن نعلم الترياق الذي وقع استعماله لتجنب العدوى أو ترصّدها.

الأكيد أنّ لكلّ مرحلة فيروس ولكلّ حقبة ترياق وخلف ظهور كلّ فيروس مخابر بحثية وعقول بشرية تفكّر وتُدبّر و"رعاة" تموّل وتدعم وتُروّج.

لا يختلف عاقلان في أنّ الإرهاب فيروس صُنع في مخابر أمريكية، اختلطت في وصفات إختراعه موارد مادية كبيرة وأضيفت إليها تركيبة مُعقّدة من موارد رمزية ثقافية وتاريخية وحضارية من أجل تأكيد مفعوله وعولمة صلوحيته. وقع اختبار نجاعته في أحداث سبتمبر 2001 وكانت نتائجه الحرب على أفغانستان واحتلال العراق ومشروع "الشرق الأوسط الجديد".

وبطبيعة الحال كأي مُنتج جديد، تلقّفت عائلات المافيا وعصابات التجارة الموازية خصائص هذا المُنتج، وأعادت إنتاجه وتسويقه بمواصفات تفرضها الأسواق المحلية.

في أقلّ من عشر سنوات أصبحنا أمام سلعة مُتعدّدة المنشأ والمصدر يافطتها "إرهاب" ومواصفاتها تتباين وتتغاير حسب الطلب ويقع التسويق لها عبر قنوات مُختلفة: وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، والمواقع الإلكترونية، والمدوّنات،... ولعلّنا، وبدون سابق إنذار، بلغنا مرحلة التنافس الحرّ في سوق سياسية مُلبرلة ميزتها الابتكار والإبداع والمُغامرة وشعارها "دعه يعمل دعه يمرّ". وتحوّل "الإرهاب" إلى سلعة تُسوّق في جميع محلاّت السياسة الدُولية والإقليمية والمحلية ووصفة سحرية تضمن الاستمرارية والبقاء في سباق التحدّي والمُنافسة غير المشروطة وغير المقيدة بقيم ولا بقوانين ولا بمعايير. فقط مبادئ البراغماتية والماكيافلية و"دعه يمرّ".

وهكذا وقع إغراق المُجتمع التونسي في دوامة الفوضى والعنف، ودخلنا في طور أزمة قد تطول وقد يصعب إنهاؤها إلى الأبد.

حين ندقّق في التاريخ ونتمعّن في تجارب الشعوب نعاين أنّ العامل الأساس في جميع التحوّلات الكبرى هو "الإنسان" بوصفه مكوّنا رئيسيا للجماعات من البشر الذين يجتمعون ويتفاهمون ويطوّرون ويُنتجون إرادة اجتماعية مُشتركة يفهمون من خلالها الواقع الاقتصادي والسياسي ويكيّفونه مع إرادتهم إلى حدّ أن تُصبح هذه الإرادة مُحرّك للواقع الموضوعي الذي يعيشونه.

بيد أنّ الثورة التونسية (رغم اختلاف التقييمات) أعادت الشجاعة إلى الإرادات التي توحّدت بسرعة، وإن لفترة وجيزة، من خلال الآلام التي تراكمت طوال العقود الفارطة، نعم توحّدت الإرادات آليا في الوهلة الأولى من ثورة 17-14، بسبب بلوغ ألم الإذلال ووجع اللاّكرامة أوجهما، في لحظة فارقة تشارك الشعب في الشعور بالقهر والظلم فكان الألم الذي صنع تفاؤل الإرادة والوجع الذي أنتج الثورة.

كيف تستعيد الإرادة تفاؤلها؟ وكيف تتوحّد إرادة قوى الثورة بفاعلية ووعي في هذه المرحلة المؤلمة من تاريخ شعبنا اليائس الذي بات يرزح تحت مفعول تشاؤم عقول سياسية استخدمت فيروس "الإرهاب" لمُقاومة تفاؤل إرادة قوى الثورة، ولتثبت ذاتها وتضع نفسها في مُستوى إنتاج ترياق "الإرهاب"؟

المطلوب من قوى الثورة أن تخلق بنفسها شروط إنتاج "الترياق" المناسب لتتخلّص من كابوس "الإرهاب"، وهذا لن يتحقّق إلاّ بتضافر جميع الإرادات الموجوعة حتى يكون الوقت أقصر ويُجَنَّبَ الوطن إهدار الفُرص ويتفادى الشعب العميق السقوط في فخاخ "المُتحذلقين الجدد" و"النخب القديمة" التي جدّدت لون ثوبها…

لن تكون بداية الوعي إلاّ بـــ"جمعنة الوجع" و"تعميم الشعور بالبؤس والألم" ليس افتراضيا وإنما واقعيا. حين يتحوّل رأس الراعي مبروك السلطاني إلى زعيم يقود الجماهير، وحين تصبح صورة والدة الشهيد شعارا للثورة ضدّ اللاّعدالة، وحين نعترف بأنيس السلطاني مُتكلّما باسم الجموع. حين يفرض شباب القصبة2 على صنّاع الفيروسات وتُجّار الأوطان أن يصمتوا. حين تستعيد الساحات حركيتها وتستعيد الثورة مدّها…

فعلا !!! لن تنطلق لحظة التغيير إلاّ عند بداية الإدراك المُشترك بأنّ القضاء على الوجع المُعمّم متوقّف على إرادة شعبية شاملة، وفعل جماعي وتفان غير مشروط في البذل والعطاء والتضامن. لكن ما دام الوجع والألم لا يبرح رأس مبروك وقلب والدته وعقل أنيس فلا تغيير يُرجى سوى ما تقترحه "كاتبة الدولة لشهداء الثورة" وما تمنّ به "وزيرة الطفولة والشؤون الجندرية".

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات