هل أزفت لحظة بناء "الكتلة التاريخية"؟

Photo

يُعتبر أنطونيو غرامشي من أبرز السوسيولوجيين الذين مارست كتاباتهم تأثيرا قويا في توجيه عدد من المُفكّرين في العالم، وفي العالم العربي، ولعلّ من أبرزهم عبد الله العروي ومحمد عابد الجابري.

بدا صوت غرامشي فريدا، لأنه لم يتفق مع الاتجاه الماركسي التقليدي، ولأنه تمكن من الاستيعاب التاريخي للماركسية بوصفها رؤية، ومنطلقا في التفكير. فعمل على تطوير الماركسية وإثراء مفاهيمها وتوسيع مجالات تفكيرها، إلى حدّ أن وقع اعتباره المُفكّر الماركسي الثالث بعد ماركس ولينين. فغرامشي أسس علم سوسيولوجي ماركسي للأيديولوجيا والمثقفين موضوعه دراسة البنيات الأيديولوجية للمثقّفين.

أعاد غرامشي الاعتبار للفعل الإنساني، من حيث هو وعي وإرادة ومعنى وغايات وحكم وتقييم واختيار وطاقة مُنتجة ومؤثّرة، في إنتاج وإعادة إنتاج وتغيير وتطوير المُجتمع البشري. بالنسبة لغرامشي ليس المُجتمع وتاريخه مجرد بنيات موضوعية، ومجرّد إعادة إنتاج لتلك البنيات في الزمن، وليس الإنسان مجرّد حامل لها، مُنفعل بها، خاضع لهيمنتها، بل هذه البنيات نتاج للإنسان الذي لا يكتسب إنسانيته إلاّ من كونه فاعلا اجتماعيا، ذا وعي وإرادة، وذا أهداف يسعى بفعله إلى تحقيقها.

ومن ثمّ، فإنّ المعطى الأول الذي ينطلق منه غرامشي في تحليله العلمي للمُجتمع هو الإنسان بوصفه كائنا ثقافيا، وفاعلا اجتماعيا، يكتسب صفته الجوهرية "إنسان" من روابطه وعلاقاته وتفاعلاته مع الآخرين. وبهذا المعنى ينتج الإنسان ذاته بوصفه إنسانا ويبني مُجتمعه ويصنع (في إطار تفاعلاته وعلاقاته) ثقافة وحضارة ذات بُعدين متكاملين: خاص ومحلّي من جهة، وإقليمي وكوني من جهة اخرى.

وتناهى صوت غرامشي إلى العالم من خلال دفاتر السجن التي لم تر النور إلاّ بعد موته بسنوات، وولد فكره خلف قضبان نظام فاشي استبدادي ساد في إيطاليا بين الحربين العالميتين، حيث كانت إيطاليا تجترّ تأخّرها التاريخي وتعاني تناقضا حضاريا صارخا بين جنوب متأخّر وشمال رأسمالي بورجوازي. ووضع غرامشي مجموعة من المفاهيم الأساسية كالسيطرة والهيمنة والأيديولوجيا والمُثقّف العضوي والمثقّف التقليدي والمجتمع المدني والكتلة التريخية والدولة وحرب المواقع والحرب المُتحرّكة...الخ

ورغم أن السياقات التاريخية والثقافية مُختلفة، فإنّ الحاجة باتت أكيدة لولادة "الكتلة التاريخية" التي تجمع قوى الثورة التونسية، لأنّ الثورة تحتاج لكي تُصبح واقعا حيا إلى الخروج من انتهازية الإعلام وتجاذبات الأحزاب السياسية وطوباوية تدوينات العالم الافتراضي، وتتحوّل إلى وعي بالذات وترجمة للأهداف والرهانات وإلى فعل تعبوي مُستمر.

ويتطلّب هذا التحوّل فعلا حقيقيا، لا ينبع تلقائيا وعفويا من تأزّم الوضع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، بل يتمّ من خلال "كاتارزيس"، أي عملية تطهير وتعني عند غرامشي "العملية الفكرية التي بمُقتضاها يعيد المُثقّفون العضويون بناء الوعي العفوي لطبقتهم أو كتلتهم الاجتماعية، فيتطهّر بها ذلك الوعي من شوائب حسيته وحرفيته وفئويته ومحليته وضيق أفقه...".

ومن خلال مقارنة حال البلدان العربية مع حال إيطاليا زمن غرامشي، اقترح محمد عابد الجابري في مقال له نشر بمجلة المستقبل العربي نوفمبر 1982 ، فكرة "الكتلة التاريخية" مع تبيئتها وتكييفها مع الوضع العربي. وهكذا فالكتلة التاريخية كما دعا إليها الجابري هي: "كتلة تجمع فئات عريضة من المجتمع حول أهداف واضحة تتعلق أولا بالتحرر من هيمنة الاستعمار والإمبريالية، السياسية والاقتصادية والفكرية، وتتعلق ثانـيا بإقامة علاقات اجتماعية متوازنة يحكمها، إلى درجة كبيرة، التوزيع العادل للثروة في إطار مجهود متواصل للإنتاج. وبما أن مشكلة التنمية مرتبطة في الوطن العربي بقضية الوحدة، فإن هذه الكتلة التاريخية يجب أن تأخذ بعدا قوميا في جميع تنظيراتها وبرامجها ونضالاتها".

وفي مداخلة ساهم بها الجابري في ندوة عقدت بالدار البيضاء بتاريخ 30 يناير 1993 حول موضوع "مستقبل اليسار بالمغرب"، ناقش مقولة يسار- يمين، على ضوء التطورات التي عرفها العالم في الثمانينات: من سقوط الاتحاد السوفيتي وتراجع الإيديولوجيا اليسارية من جهة، وانتشار الحركات الإسلامية ذات المنزع الأصولي والسياسي من جهة ثانية. ثم خلص إلى النتيجة التالية:

"واضح أننا هنا أمام وضع جديد أشبه ما يكون بالوضع الذي كان عليه الحال زمن الاستعمار، حيث كان الصراع بين المحتل الأجنبي وعملائه من جهة وبين القوى الوطنية بمختلف فئاتها واتجاهاتها الفكرية والإيديولوجية من جهة أخرى، هذه القوى التي كانت تشكل حلفا وطنيا ضد المستعمر وأذنابه وعملائه. وإذا أضفنا إلى هذا، الطابع الوطني للصراع القائم اليوم مع قوى الرأسمال العالمي أي "الشمال" فإن المهام المطروحة وطنيا ستكون مهام متعددة وجسيمة، مهام التحرر من التبعية وإقرار الديمقراطية وتحقيق تنمية مستقلة. مهام لا يمكن، في ظل الوضعية الراهنة التي نعرفها جميعا، لأي فصيل من فصائل القوى الوطنية القيام بها بمفرده، سواء حمل إيديولوجيا سماها يسارا أو نطق باسم الدين أو بأي شيء آخر. إذا أدركنا هذا، أدركنا كيف أن الحاجة تدعو اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى تحالف وطني جديد على شكل كتلة تاريخية تضم جميع القوى الفاعلة في المجتمع والتي من مصلحتها التغيير في اتجاه تحقيق الأهداف الوطنية.

"هذه الكتلة، هي تاريخية ليس فقط لكون الأهداف المذكورة أهداف تاريخية، بل لأنها تجسيم لوفاق وطني في مرحلة تاريخية معينة. إنها ليست مجرد جبهة بين أحزاب بل هي كتلة تتكون من القوى التي لها فعل في المجتمع أو القادرة على ممارسة ذلك الفعل، ولا يستثنى منها بصورة مسبقة أي طرف من الأطراف، إلا ذلك الذي يضع نفسه خارجها وضدها."

وهكذا يمكن القول، إن القوى المرشحة لبناء هذه الكتلة في تونس هي: جميع القوى التي لها فاعلية في المجتمع والمقتنعة بضرورة التغيير في اتجاه تحقيق الأهداف التي ذكرها الجابري والتي تُلخّصها شعارات الثورة التونسية (الكرامة والعدالة الاجتماعية). الكتلة التاريخية ليست جبهة معارضة لنوع من الحكم قائم، ولا ضد أشخاص معينين، بل هي تشكيلة من الأفراد والقوى (من اليسار واليمين والوسط هدفها بناء وطن بمعايير وقيم مُخالفة لما حاولت دولة الاستعمار ووريثاتها ترسيخها داخل المُجتمع. وهي كذلك لا تُلغي الأحزاب ولا تقوم مقامها، ذلك لأن ما يجعل منها كتلة تاريخية ليس قيامها في شكل تنظيم واحد، بل انتظام الأطراف المكونة لها انتظاما فكريا حول المعاني والقيم المذكورة والعمل الموحد من أجل بناء مُجتمع بمواصفات أخرى.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات