كلّ الأحزاب في الهوى.. نداء..

Photo

حذّرنا منذ البداية.. من أنّ الثورة والأحزاب نقيضان، لا يمكن الجمع بينهما لما في ذلك من إفساد للإثنين معا.. نرى اليوم النتيجة الحتميّة لركوب الثورة من قبل الأحزاب التونسية بمختلف مشاربها.. إن كانت لها مشارب أصلا.. فأغلبيتها الساحقة لم يقم على فكرة أو على مشروع.. وإن أعلنت بلسانها ذلك.. أغلب الأحزاب تشكّل بعد الثورة (بما في ذلك الأحزاب القديمة) على أسس مَرَضيّة قاتلة: زعيم أو شبه زعيم، يستقطب، بطريقة أو بأخرى، حاشية، تحتاجه ويحاتجها في أمّ المعارك.. معركة التموقع في المشهد السياسي الوليد.. ويمكن تشبيه الأحزاب بجيوش المرتزقة: فطالما كان دفع الجرايات ساريا وفي آجاله، كان "انضباط" الجند و"ولاؤهم" للزعيم أو شبه الزعيم، متوفّران.. طبعا، هذا مجرّد تشبيه، إذْ لا يمكن أن يكون المال هو العنصر الأساسي والوحيد في عمليّة الاستقطاب هذه.. فالحاشية تتكوّن من أفراد تختلف مآربهم وطموحاتهم، فمنهم من يبحث عن السلطة (وما يتبعها) أيّا كانت درجتها، وهناك من يبحث عن الشهرة والظهور، وهناك من يبحث عن معنى لحياته في إطار مجموعة، وهناك من يبحث عن شغل، وهناك من يبحث عن زوج أو زوجة! لم أذكر هنا المندسّين، فتلك قصّة أخرى..

تأمّلوا فَوْرة الأحزاب بعد الثورة، وخاصة عندما أَزِفت ساعة الانتخابات.. بدت الساحة، وكأنّ شعارها: "هات شاشيتك.. هات صبّاطك".. وفُتِحتْ الأحزاب كما كانت تفتح أكشاك الانتصاب الفوضوي.. واستقطبت الأحزاب القديمة والتي لم يكن عدد مناضليها يتجاوز العشرات أو المئات في أحسن الحالات، الآلاف من "المناضلين" الجدد.. بعضهم، اكتفى بتغيير هندامه أو "لوكه": بدلة داكنة، وربطة عنق، وصورة بجانب العلم الوطني، ليصبح "شخصيّة سياسيّة"!

في هذا الخضمّ ضاعتْ الثورة ونسقها.. وضاعتْ السياسة وألقها.. ضاعت المبادئ والأفكار والقيم.. وحظر التدافع، والتسلّق، و"التكمبين"، والتملّق، والكذب، والنفاق.. والغريب أنّ الزعماء، أو أشباه الزعماء، كانوا طرفا مؤجّجا لمثل تلك السلوكيات.. إذْ كلّما كانت الحاشية هيّنة، ضعيفة، متآكلة، كلّما ثبتتْ زعامتهم عليها، وتأكّدتْ.. ديدنهم، وشعارهم: "أعورٌ في مملكة عميان"! وزادهم ثقة في صحّة نهجهم، فواصلوا السير فيه إلى اليوم، ما أفرزته انتخابات 2011، بمقتضى قانون انتخابي لم يوضعْ إلاّ للوصول لتكل النتيجة.. صارتْ صورة الصندوق الانتخابي، كصورة صندوق "دليلك ملكْ"! وتداخلت صورة الطبقة السياسيّة على شاشات التلفاز مع صور البرامج الترفيهية.. ألم يتساءل الناس في يوم ما إن كانت الثورة نفسها، مجرّد "كاميرا خفيّة"؟!

في تلك الأجواء نشأ "نداء تونس".. ولذلك فهو ليس حزبا بالمفهوم الدقيق للكلمة، وإن كانت له الصبغة القانونية للحزب.. في الظاهر نشأ حزب نداء تونس، على أنقاض المشهد الحزبي الذي وصّفناه آنفا.. اغتنم فرصة "ردّة الفعل" على رداءة المشهد السياسي التونسي (وكان بحقّ رديء).. وأكبر علامات رداءته أنّه قبل لنفسه صفة "المؤقّتْ" و"الانتقالي".. هل تقاد الدول إبّان الثورات بعقليّة "المؤقّت" و"الانتقال"، الذي لا يتبعه إجهاز على مخلّفات النظام المنهار؟!

"نداء تونس" بنى خطابه التحريضي المجمّع على مقولة التخلّص والخروج من المشهد السياسي التونسي الذي وسم نفسه بالمؤقّت.. فالوضع المؤقت أو الانتقالي، يملّه الناس من يومه الأوّل.. تلك طبيعة النفس البشرية.. هذا على المستوى العام.. أمّا الذين انخرطوا في "نداء تونس"، فكانوا عنصره الفاعل، فهم أصحاب مشروع واضحة لديهم معالمه.. طيّ صفحة الثورة نهائيا، وإعادة الأمور إلى نصابها.. وبذلك "نعود كما كنّا": في الظاهر أمن وأمان، وفي الباطن تحكّم طبقة صغيرة في الرأسمال المادي والرمزي للبلاد.. لا أكثر ولا أقلّ..

الصراعات الدائرة الآن داخل نداء تونس، لا تختلف كثرا عمّا يجري عند أحزاب الجهة المقابلة.. الفرق في السُلّم فقط.. une question d’échelle .. في نداء تونس يتناهشون وليمة ضخمة، وفي الأحزاب الأخرى يتناهشون العظام والفتات.. والنهش هذا نابع من عقليّة التونسي عموما.. لا سيّما عندما يفقد البوصلة.. وقد فقدها طيلة عقود.. فإن كان في وضع المقهور المغلوب، سبّح بحمد جلاّديه.. وإن تحرّر من ربقة هؤلاء، غلبتْ عليه الفرديّة المفرطة والأنانيّة المقيتة..

المسألة إذًا، مسألة بوصلة.. والبوصلة تحتاج رجال أولي عزْم.. في انتظار هؤلاء، لا تعجبوا كثرا لما يحدثْ.. داخل "النداء"، وعند الآخرين أيضا.. فكلّهم في الهوى.. نداء..

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات