المرأة بين ضرورة العمل وأعباء الأسرة وحق الطفل في حضور والديه

حين تعمل الأم لتؤمّن حياة أبنائها... وتخسر وقتها معهم

ليست كل أم تخرج إلى العمل قد اختارت الغياب عن أبنائها، وليست كل امرأة بقيت في بيتها تملك رفاهية هذا الخيار. خلف كثير من الأمهات العاملات حكاية أخرى لا تظهر في الأرقام: راتب لا يكفي، واحتياجات أسرة تتزايد، وأسعار ترتفع، ومسؤوليات لا يمكن تأجيلها. وبين الحاجة إلى تأمين لقمة العيش والحاجة إلى البقاء قريبة من الأطفال، تجد الأم نفسها أمام معادلة قاسية، كأن عليها أن تختار بين مستقبل مادي أفضل لأبنائها وحضور يومي إلى جانبهم.

حين يصبح العمل ضرورة

في تونس اليوم، لا تحتاج الأسرة إلى كثير من الحسابات لتكتشف أن راتبا واحدا لم يعد يكفي. غلاء الأسعار وارتفاع كلفة السكن والغذاء والنقل والتعليم والعلاج، كلها أعباء تتراكم على كاهل الأب، حتى يجد نفسه عاجزا، رغم عمله، عن توفير أبسط الضروريات لأسرته. يقف أمام احتياجات أبنائه التي لا تنتظر، ودخل يتآكل قبل أن ينتهي الشهر، فلا يبقى أمامه إلا أن يواجه واقعا اقتصاديا يزداد قسوة يوما بعد يوم.

وفي مثل هذه اللحظة، لا تستطيع الأم أن تبقى متفرجة على معاناة بيتها. تتقدم إلى الصف الأول، تحمل المشعل إلى جانب الرجل، وتدخل سوق العمل، لا بحثا عن رفاهية زائدة، وإنما لتشارك في حمل أعباء الأسرة، ولتؤمن لأبنائها ما عجز الدخل الواحد عن توفيره.


…

تخرج صباحا وهي تعرف أن وراءها أطفالا يحتاجون إليها، لكنها تعرف أيضا أن وراءها بيتا يحتاج إلى دخلها، وأن رغيف الخبز ودواء الطفل ومصاريف الدراسة وفاتورة المنزل لا يمكن دفعها بالأمنيات. وهكذا يصبح عملها، في كثير من الحالات، استجابة لضيق اقتصادي أكثر منه خيارا بسيطا بين العمل والبقاء في المنزل.

لكن ما إن تبدأ عجلة العمل بالدوران، حتى تظهر المفارقة الأكثر قسوة. فالمال الذي خرجت الأم لتوفيره لأبنائها يقابله ثمن آخر لا يظهر في كشف الحساب: الوقت الذي تخسره معهم.


…

دوام لا ينتهي: من العمل إلى أعباء البيت

لا يبدأ يوم الأم العاملة عند وصولها إلى مكان العمل. يومها يبدأ قبل ذلك بكثير؛ تستيقظ مبكرا، تعد الطعام، تجهز الأطفال، تراجع حقائبهم، تتابع ملابسهم واحتياجاتهم، ثم تخرج مسرعة إلى عملها، وهي تحمل في ذهنها قائمة طويلة من المهام التي تنتظرها عند العودة.

وفي مكان العمل، تقضي ساعات طويلة بين المسؤوليات والضغوط، وربما تجد نفسها منشغلة طوال اليوم بسؤال واحد: هل أطفالي بخير؟ هل أكلوا؟ هل عادوا من المدرسة؟ هل أنجزوا واجباتهم؟ هل احتاج أحدهم إلي ولم أكن هناك؟

وفي المساء، تعود منهكة الى البيت، بينما ينتظر الأطفال لحظة يحصلون فيها على اهتمام والديهم، تبدأ سلسلة جديدة من المهام: الطعام، الاستحمام، الواجبات المدرسية، ترتيب أغراض الغد، الاستعداد للنوم.

يمر المساء سريعا، وقد ينتهي اليوم قبل أن يجد أفراد الأسرة وقتا حقيقيا للحديث.

وهنا يتحول البيت، من دون أن يقصد أحد، إلى مكان لتنفيذ الضروريات أكثر منه مساحة للعلاقة والتواصل. يأكل الجميع، وينجز كل فرد ما عليه، ثم يذهب إلى النوم استعدادا ليوم جديد.

هناك الطعام الذي يجب إعداده، والبيت الذي يحتاج إلى ترتيب، والملابس التي تنتظر الغسيل، والواجبات المدرسية التي تحتاج إلى متابعة، والطفل الذي يريد أن يحكي ما حدث معه، وآخر يحتاج إلى المساعدة، وثالث ربما يكون مريضا أو متعبا ويحتاج إلى حضن واهتمام.

إنه دوام ثان لا راتب له ولا إجازة منه.

المطلوب هو بناء توازن جديد.

تعمل الأم، لكن من دون أن تصبح الأمومة عقوبة مهنية تدفع ثمنها من صحتها ووقتها وأعصابها. ويعمل الأب، لكن من دون أن يكون دوره محصورا في توفير المال. وتقدم المؤسسات التعليمية والرعائية خدماتها، لكن باعتبارها سندا للأسرة لا بديلا عنها.


…

والأهم أن يتغير التصور الاجتماعي الذي يجعل المرأة مطالبة بأن تنجح في كل شيء في الوقت نفسه، وأن تكون موظفة مثالية، وأما مثالية، وزوجة مثالية، ومديرة منزل لا تتعب.

لا أحد يستطيع أن يعيش بهذه الصورة من دون أن يدفع ثمنا ما.

فالأم لا ينبغي أن تضطر إلى الاختيار بين أن تؤمن لأبنائها حياة كريمة وأن تكون حاضرة في طفولتهم. والمجتمع الذي يعجز عن الجمع بين الأمرين يحتاج إلى أن يعيد النظر في اقتصاده، وفي سياسات عمله، وفي توزيع مسؤولياته، وفي تعريفه نفسه لمعنى الحياة الكريمة.

لأن الحياة الكريمة ليست بيتا تدفع فواتيره في موعدها فقط، ولا طعاما يكفي الجميع، ولا مدرسة جيدة، ولا دخلا مستقرا فحسب.

الحياة الكريمة أن يجد الطفل كل ذلك… ويجد أيضا أمه وأباه.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات