درس تونس

حتى وإن كان السياقان مختلفين بل ومتباينين، فإنه من المهم التذكير بما قد يفيدنا في وضعنا السياسي المغربي.

طيلة عشر سنوات، بعد إسقاط الدكتاتور بن علي، في أول ثورة شهدتها المنطقة، وبدل التركيز على الأولويات التي أخرجت التوانسة إلى الشارع سنة 2011، انشغل الفاعلون السياسيون في صراعاتهم الصفرية وفي سجالات هوياتية وفي استقطابات حدية، استغلها بقايا النظام وهيؤوا التربة تدريجيا للانقلاب على دستور الثورة والعودة إلى ما قبل الثورة.

بعد أن تم توظيف واحدة من رموز النظام البائد (عبير موسي) التي حولت البرلمان إلى سيرك وملأته بضجيجها وعسرت العمل داخله، تم الانتقال يوم 25 يوليوز 2021 إلى السرعة الأكبر.

دشن قيس سعيد انقلابه بإغلاق مقر البرلمان، و إلغاء دستور الثورة باعتماد دستور سلطوي تحكمي، وخاض بعد ذلك حربا ضروسا عبر التضييق على الحريات، وشن حملة غير مسبوقة مع اعتقال قادة كبار وأطر ومناضلين من مختلف التيارات، وإعلاميين وصحفيين ومدونين (نساء ورجالا بما في ذلك عبير موسي)، ولجأ البعض الآخر إلى المنفى الاضطراري.

أتى نظام قيس سعيد على الأخضر واليابس، جرّف السياسة والأحزاب وقضى على ممكنات العيش في حدودها الدنيا، وجعل من تونس سجنا كبيرا.

كل ذلك، بسبب انشغال النخبة الحزبية بصراعات هوياتية، لم يستفد منها الشعب التونسي، بقدر ما ضاعت فرصة يصعب أن تتكرر على المدى المتوسط.

حين ينتفي الوعي السياسي الدقيق، وتطغى الحسابات الحزبية الضيقة .

وحين نفضل الغرق بحثا عما يفرق بدل القبض عما يجمع لصالح من هم في حاجة إلى ذلك.

وحين نفلت الموعد مع فرص ولو صغيرة لتحقيق بعض التراكم، يأتي من يتربص ليفترس كل شيء.

في سياقنا المغربي، افتراسية الأوليغرشة وقدراتها الكبيرة في الدفاع عن مصالحها وتوظيفها للقرب من مربعات السلطة، أمر نعيشه منذ مدة...وها هي اليوم تهيء نفسها للانقضاض على ما تبقى.

فهلا استخلصنا واستنتجنا ما ينبغي استنتاجه، رحمة بنا جميعا وقبل فوات الأوان.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات