ذيب عمرة" - إصدار جديد

كان صيفا خانقا، لاهبا، فيه الأرض من تتشقّق العطش، وتنهك فيه الأجساد من التعب.

انقضت السنة الدراسية، وكان الفرح بنجاحي في السنة السادسة ابتدائي يضيء صدري كما لو أن طفولتي كلها تحاول الاحتفال بي، لولا أن الواقع كان أشد قسوة من أن يسمح للفرح بالبقاء طويلا.

ظروف قاهرة دفعت عائلتنا وعائلة عمي إلى ترك البيوت مبكرا، والسير نحو "عمرة" للعمل في جني محصول القمح والشعير عند أحد المزارعين.

ارتحلنا صباحا…

حملنا معنا كل شيء، لوازم الطبخ، وملابس وأغطية بالية تحمل رائحة بيتنا الترابي، وأغناما قليلة كنا نربيها ونعتني بها كما لو أنها جزء من العائلة، وكلبنا العجوز الذي يرفض أن يتركنا مهما تغيّرت الأرض تحت أقدامنا.

لم يكن الرحيل خيارا، بل ضرورة مفروضة كحد السكين.

كانت تلك الأعمال، رغم قسوتها، أشبه بفرصة للنجاة قبل أن تجرفنا المجاعة إلى واد بلا عودة.

كان يوما مشهودا…

وقف أبناء الدوّار يودّعوننا كأنهم يودّعون جزءا من ذاكرتهم، وجوه متعبة، ممزّقة بين الحزن والفخر، وعيون تلمع تحت ضوء الفجر الذي لم يستقر بعد فوق رؤوس الجبال.

وقع خطواتنا الثقيلة فوق التراب الرطب، يا لهف قلبي الذي لم يفهم بعد معنى الرحيل، فكنت أظن أننا سنعود عند الغروب كما نفعل دائما.

لكن الطريق كان أطول من كل ما تخيّلت، ووجوه الراحلين كانت تخفي ألما أكبر من الكلام.

كل شيء في ذلك اليوم كان يشبه بداية زمن آخر، زمن لم نطلبه، لكننا كنا مجبرين على عيشه.

كنت أسمع تنفّس أمي المضطرب، وصوت أبي رحمه الله وهو يشد أزرنا:

"ربي يسهّل… ما عندنا غير الحصيدة في سنوات الجفاف التي طالت."

ظل صدى كلامه يتردد في صدري سنين طويلة، أكاد أسمعه حتى الآن كلما ضاقت عليّ الدنيا.

عندما ابتعدنا عن الدوّار، نظرت خلفي فرأيت البيوت الصغيرة تتراجع، وتتقلّص شيئا فشيئا حتى أصبحت نقاطا بنية على سفح الهضبة.

ولأول مرة في حياتي شعرت أنني أغادر شيئا من روحي، شيئا كنت أظنه ثابتا لا يزول.

الرحلة كانت قصيرة، لكنها طويلة في القلب، طويلة بما يكفي لتجعلني أفهم أن الفقر ليس مجرد نقص مال، بل قدر يحرّكنا كما يشاء، وينقلنا من أرض إلى أخرى، ويكبر معنا مثل ظل لا يتخلى عن صاحبه.

ومع ذلك…

كان في الطريق شيء يشبه الأمل، أمل هش، خجول، كأن الحقول التي تنتظرنا في قلب عمرة تعدنا بفتات حياة أفضل، أو على الأقل، بفرصة لننسى الجوع ونضمن عودة آمنة إلى مقاعد الدراسة.

في صحراء عمرة الموحشة، هناك بقعة صغيرة يسمّونها "السوينية"… قطعة من البر على حافة الطريق السريع، لا يسكنها أحد، لكنها كانت تعرفني جيدا، كما يعرف الرمل أثر خطوات طفل يمر عليه كل صباح.

في صيف لاهب لا يرحم، يوم كنت طفلا لم يتجاوز العاشرة.

أقنعت أمي، بما في صدري من إصرار طفولي، أن تسمح لي بأخذ برّاد الشاي، وشيء من الفحم، وكيس صغير من السكر.

أجلس على طرف "الأوتوروت" الذي يصل قفصة المدينة بمنطقة الفج وأرض الساهلة، حيث يرقد سيدي علي بن عون، أبيع الشاي للمسافرين.

جلست على كرسي خشبي قصير، ووضعت أمامي طاولة متهالكة، عليها البرّاد يغلي برفق، ورائحة النعناع تتسلل مع بخار الماء.

النهار طويل، والشمس تضرب الإسفلت حتى يلمع كمرآة تصهر كل شيء. أراقب السيارات والشاحنات وهي تقترب من بعيد، ويشتد الخفق في قلبي كلما خفّفت إحداها سرعتها أو لاحت علامة توقف.

وحين يترجل أحدهم، أمد له كوب الشاي بيدي الصغيرة، وأراقب ملامحه وهو يرتشف أول رشفة، كأنني أقدّم له قطعة من روحي لا مجرد شراب ساخن.

تمر الساعات، أعدّ الأكواب وأغسلها في إناء صغير، وأعيد ملء البرّاد وأنتظر.

وأحيانا، لا يتوقف أحد… فأجلس أتأمل الغبار الذي يعلو في الأفق مع عربات بعيدة، وأسمع هدير الشاحنات يمر كأنه الزمن نفسه ينسلّ من عمري دون أن أشعر.

ومع غروب الشمس، أعود إلى عائلتي التي ارتحلت إلى هذه المنطقة النائية لحصاد القمح بعشر الصابة أو خمسها.

أمشي بين الحقول، ورائحة التبن تعبق في الهواء، وأحمل برّادي الفارغ كأنني عائد من معركة صغيرة لم أربحها، لكنني لم أخسرها تماما.

لم يكن المكسب كبيرا، لكن قلبي الصغير كان ينتفخ بفرح غامض، فرح لم أفهمه إلا بعد سنوات.

كنت أنتمي إلى تلك الحافة من الطريق، لتلك اللحظات العابرة التي يمر فيها الغرباء… ثم يمضون. ولعلي كنت أتعلم مبكرا معنى العبور، معنى أن تمنح شيئا وتمضي، دون أن تنتظر عودة أحد.

واليوم، حين أمر بـ"السوينية"، أرى المكان نفسه.

لا أطفال، لا برّاد، لا انتظار…

فقط الريح تعبر، والغبار ينهض، والذاكرة تجلس وحدها على حافة الطريق تشرب شايها البارد.

الطريق نفسه، والفراغ نفسه، لكن الطفل غاب، والمشهد بقي شاهدا.

والآن، وأنا أعبر هذه البرور وقد غزا الشيب رأسي، أدرك أن شيئا ظل يتشكل داخلي منذ ذلك الصيف.

ومن السوينية في تخوم عمرة إلى جلمة في سيدي بوزيد لجني محصول الطماطم. ثم كان هناك فصل آخر من طفولتي ظل معلقا في مكان لا يشبه باقي الأمكنة، مكان ينهض في الذاكرة كلما ظننت أنني تجاوزته، حضائر البناء بمدينة المرازقة السياحية.

عالم الطفولة كان ساحرا، سحرا يفوق الوصف.

* مقتطف من الرواية - إصدار - أكتوبر 2026

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات