من يمثل ضحايا الحريق الكبير؟

اختار المجلس الشعبي الوطني أن يبدأ عهدته بتمرير تعديل على قانون العقوبات يسمح بالعودة إلى تنفيذ عقوبة الإعدام، بعد 33 سنة بالتمام من تنفيذ آخر حكم بالإعدام.

جاء تعديل القانون بأمر من الرئيس تبون يوم 31 أوت الماضي كرد فعل على الحرائق الكبرى التي تسببت في وفاة أكثر من مائتي جزائري في قائمة غير رسمية للضحايا أعدتها الصحافية نزهة خلالف استنادا إلى المصادر المفتوحة، في ظل غياب حصيلة رسمية، وقد تم قصر تنفيذ الإعدام على الأشخاص المدانين بإضرام النيران التي تتسبب في وفاة أشخاص، وألحق بهم المدانون بجرائم اختطاف وقتل الأطفال.

قبل أن يطلب الرئيس من الحكومة تعديل القانون لعرضه على البرلمان ليدخل حيز التنفيذ عاجلا، كان قد زار يوم 29 أوت جرحى الحرائق الذين تم تحويلهم إلى مستشفى زرالدة وهناك أشار إلى قناعته بأن يد الإجرام تقف خلف هذه الحرائق رغم حديثه عن مباشرة تحقيق معمق في أسباب الكارثة.

يشير الإصرار على تغييب أعداد الضحايا واستثنائهم من الحصيلة المفصلة التي قدمها المكلف بالإعلام لدى المديرية العامة للحماية المدنية، ثم والي ولاية جيجل، إلى أن التحقيق الذي تحدث عنه الرئيس في زرالدة هدفه تحديد الجهة التي تقف وراء إضرام الحرائق، وقد تم الإعلان عن اعتقال تسعة أشخاص في جيجل ونشرت صورهم وأسماؤهم الكاملة التي تم تداولها عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي وتمت إدانتهم إعلاميا حتى قبل أن تنظر المحكمة في قضيتهم.

في مقابل هذا لم يتم التطرق لأي تحقيق عن الطريقة التي تمت بها معالجة الكارثة، ولم تطرح وسائل الإعلام الأسئلة الملحة عن سبب عدم إعلان الولاية منطقة منكوبة؟ ولماذا لم يتم تفعيل مخطط النجدة من طرف والي الولاية؟ واليوم يضاف سؤال كبير آخر: لماذا لم يسائل البرلمان الحكومة على تطبيق القانون في التعامل مع الكارثة، وهي نكبة بتعريف القانون 24-04 المتضمن قواعد الوقاية والتدخل والحد من أخطار الكوارث في إطار التنمية المستدامة، ولماذا لم تطبق أحكام هذا القانون، والمرسوم التنفيذي 25-63، وما هي الظروف التي أدت إلى تسجيل أكبر عدد من حالات الوفاة المباشرة بالحريق (يتجاوز العدد المعروف للضحايا ما تم تسجيله من وفيات في حرائق الغابات مجتمعة في جميع أنحاء العالم خلال هذه السنة)؟ وما هي مسؤولية الدولة؟ وماذا عن مسؤولية الجماعات المحلية والولاية والحكومة؟

لم يكن مفاجئا صمت البرلمان عن طرح هذه الأسئلة، فبعد استقبالها من طرف الرئيس عقب انتخابها رئيسة للمجلس الشعبي الوطني، قرأت السيدة بوفداش تصريحا مكتوبا قالت فيه "حظيت بشرف الاستماع إلى التوجيهات السامية للسيد رئيس الجمهورية بشأن المرحلة المقبلة وما تتطلبه من تكاتف للجهود وتكامل بين مختلف مؤسسات الدولة، خدمة للوطن والمواطن"، وقد كان واضحا أنه لم يكن من ضمن مهام البرلمان الذي انتخب بأضعف نسبة مشاركة في تاريخ الانتخابات في البلاد (21.24 بالمائة) مساءلة الحكومة رغم أن تلك مهمته الأساسية، بل إن أحد نواب الولاية المنكوبة اختار أن يوجه سؤالا شفويا لوزير التعليم العالي بخصوص ترقية كلية الطب على أن يسأل عن عدد أولئك الذين ماتوا في الحريق الكبير، والذين يفترض أنه يمثلهم ويتحدث في البرلمان باسمهم. وقبله كانت إحدى النائبات قد قالت بكل بساطة إنها مع إعادة تفعيل الإعدام ما دام الرئيس قد قرر ذلك، فهو أدرى.

قررت السلطة أن تبقي عملية تسيير الكارثة وكيفية مواجهتها خارج المساءلة، واختارت أن تبحث عن متهمين بإضرام الحرائق دون أن تنتقل إلى فتح المجال أمام محاسبة من يكونون قد قصروا في حماية الآلاف الذين تعرضوا للخطر (حسب حصيلة قدمها والي ولاية جيجل يوم 28 سبتمبر الماضي فإن عدد الجرحى الذين تم التكفل بهم بلغ 2481) وهو رقم يخبر عن حجم النكبة رغم التستر على أعداد المتوفين، وقبل ذلك قررت أن تسكت وسائل الإعلام التي مارست تعتيما شنيعا جعل الأغلبية الساحقة من الجزائريين غير مدركة، إلى اليوم، الحجم الحقيقي للكارثة التي حلت بجزء من وطنهم وأبنائه.

إن التحقيق في أسباب الحريق يتم بشكل تلقائي، والبحث عن فاعل محتمل هو عمل تتم مباشرته من قبل الجهات القضائية والأمنية بشكل آلي، لكن تحقيقا آخر يجب أن يشمل الطريقة التي تم بها الاستعداد لمواجهة الكارثة، والتقصير المحتمل في حماية أرواح المواطنين وممتلكاتهم، خاصة وأن القانون تم تعديله بعد كوارث سابقة حلت بمنطقة القبائل في سنة 2021، وولايات شرق البلاد سنة 2022.

أتى الحريق الكبير على أرواح عزيزة، وعلى ثروة غابية ثمينة، لكنه لم يتوقف عند ذلك بل طال أيضا علاقة المواطن بالدولة، وأحرق مصداقية الخطاب الرسمي عن شفافية التسيير، والحرص على تطبيق القانون، ومحاسبة الجميع دون تمييز، وعن استعادة هيبة المنصب بمساءلة شاغليه، واليوم يفتقد الضحايا المؤسسات التي تحمل أصواتهم وتدافع عن ذاكرتهم، كما يشعر سائر الجزائريين بأن الصوت الوحيد الذي يمكنهم سماعه هو صوت من يحكمون البلد، صوت يأتيهم عبر مؤسسات الدولة ووسائل الإعلام العمومية والخاصة محتكرا للحقيقة ورافضا لأي جدل أو نقاش.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات