العلاقات الجزائرية الإماراتية : وَهْم الجيواستراتيجية

رغم أن المسافة بين دولة الجزائر ودولة الإمارات العربية تتجاوز خمسة آلاف كيلومتر، فان القرار الجزائري بقطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، و إغلاق الأجواء الجزائرية أمام الملاحة الجوية الإماراتية، يكشف عن نموذج تاريخي لمحاولات دول "صغيرة أو صغرى" كالإمارات العربية أن تلعب دورا يتجاوز الحجم ،ويستند على موقع جغرافي او على قوة مالية وتجارية أو على مركزية دينية ..الخ، وفي التاريخ نجد البندقية في القرون الوسطى وحتى القرن الثامن عشر حاولت أن تتجاوز الحجم لتوظيف قوتها البحرية والتجارية ،وهو النموذج الذي تكرر في جنوة (القرون الوسطى) ومالطا(القرن 16)وسلطنة عمان (القرنان 17-19) وسنغافورة (حاليا ) وقطر في القرن الحالي والفاتيكان في العصر الحديث ..الخ.

وعند محاولة بناء نموذج تحليلي للمتغيرات التي تمنح الدول الصغيرة أو الصغرى دورا نجد أن اهم هذه المتغيرات هي أن تكون دولة ممر (سنغافورة ومالطا) أو مركزية تجارية (البندقية) أو لعب دور الوسيط بالإنابة(Proxy) لقوة كبرى(قطر) أو أن لها رمزية(الفاتيكان)...الخ.

وبالعودة لموضوعنا- الأزمة الجزائرية الإماراتية-، سنجد أن الجزائر تقف في المرتبة الأولى في إقليمها المغاربي في مؤشرات المساحة وعدد السكان وإجمالي الناتج المحلي والقوة العسكرية( طبقا لمؤشر Global Firepower 2026)، لكنها تحتل المرتبة الثالثة في نسبة الإنفاق على البحث العلمي من إجمالي الناتج المحلي ، ذلك يعني أنها "الدولة المحورية في المغرب العربي)، وهو ما يجعلها قادرة على القيام بدور "استراتيجي في إقليمها" أو أن هذه المقومات تساعدها على التطلع لدور إقليمي على اقل تقدير .

بالمقابل لو تطلعنا الى منطقة آسيا العربية( دول الخليج والعراق وسوريا والاردن واليمن ولبنان) سنجد أن السعودية تحتل المرتبة الأولى في المساحة والناتج المحلي والإنفاق العسكري(بغض النظر عن الفعالية) بينما تقف العراق في المركز الأول في عدد السكان، وتحتل الإمارات المرتبة الأولى في معدل الإنفاق على البحث العلمي بين دول آسيا العربية.

إن المقارنة السابقة تعني أن مؤهلات الجزائر للدور الإقليمي تفوق بشكل واضح مؤهلات دولة الإمارات ، ناهيك عن أن تقاليد العمل الدبلوماسي الجزائري اعمق كثيرا من تقاليد العمل الدبلوماسي الإماراتي الذي دشنه الأمير محمد بن زايد منذ توليه رئاسة الإمارات عام 2022 ، فالدور الإماراتي "حديث للغاية" من حيث التأصيل التاريخي بينما الأمر مختلف جزائريا منذ بداية الستينات من القرن الماضي على الصعيد العربي والإفريقي وعدم الانحياز ...الخ.

ذلك يعني أن التباين في البنية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية يفسر الى حد ما التباين بين الرؤية الاستراتيجية في البلدين، لكن القيادة الإماراتية في عهد الأمير بن زايد تتبنى طموحا استراتيجيا يتأرجح بين نظريتين لدور الدولة الصغيرة ، النظرية الأولى التي ارستها شيلا هاردن وترى أن "الصغر خطر"، والنظرية الثانية التي وضعها المفكر الاقتصادي شوماخر وتقوم على أساس أن " الصغر جميل".

وراء هذا التباين في البنية والتوجهات والتقاليد الدبلوماسية والتي تشكل مجتمعة بيئة الاحتكاك المباشر بين الدولتين- الجزائر والإمارات- رغم الخمسة آلاف كيلو الفاصلة بينهما، ويظهر هذا الاحتكاك في عدم تنبه الإمارات "لخطورة الصغر" وانجذابها "لجمال الصغر" ولكن بفهم فردي لا جمعي له، ومن هنا بدأت بمحاولة التمدد استنادا لمنظور ذاتي لجماليات الصغر من خلال:

1- التمرد على تنظيم دولي مستقر ومشرف على اهم موارد الاقتصاد الإمارتية : فقد قررت الإمارات مؤخرا الانسحاب من منظمة الأوبك ومن منظمة أوبك +، وهو ما يعني محاولة التملص من تأثيرات الوزن السعودي في قرارات المنظمتين، وهو ما يعني التصادم مع الدولة التي تحظى بالمرتبة الأولى في 3 من متغيرات القوة الإقليمية ، وفي ذلك "خطر"، وهو ما لحظنا تجسداته في الخلاف العميق بين السعودية والإمارات في اليمن., وهو امر تراه الجزائر تأثيرا سلبيا على أهمية الأوبك تحديدا.

2- العداء وبقدر من الغرائزية للتيارات الإسلامية السياسية: فالإمارات ترى في الإسلام السياسي "خطرا بنيويا" على النظم السياسية العربية، ولا يمكن استبعاد البعد التربوي لشخصية الأمير بن زايد في هذا الجانب بسبب خبرة مرة له مع "المربي الإسلامي" الذي جلبه والده لتربية الأمير تربية إسلامية، ناهيك عن تداعيات اكتشاف مساهمة إماراتيين في موضوع هجمات سيبتمبر المعروفة، بينما ثمة قوى سياسية إسلامية جزائرية تشارك في هيئاتها التشريعية مثلا.

3- تنامي تدخلات الإمارات المباشرة في الصراعات الداخلية العربية(بغض النظر عن جغرافيا هذه الصراعات)، فهي تقف مع الدعم السريع في السودان وتدعم المجلس الانتقالي اليمني وتعادي المقاومة الفلسطينية عداءا تاما بل وتتبنى بعض قياداتها الفاشلة ،وتسعى لبناء نفوذ سياسي استنادا لقدرة مالية لا لَبْسَ فيها، وهو ما يختلف جذريا عن موقف الجزائر التقليدي في هذا المجال…

4- تتبنى الإمارات سياسة اقتصادية يقوم جوهرها على تحويل النفط لأداة نفوذ جيواستراتيجي من خلال تمويل صناديقها السيادية والتحول لمركز قوة تجارية وتكنولوجية، وليس استنادا للقوة العسكرية، وهي رؤية لا تتسق والمنظور الاستراتيجي الجزائري للعلاقات الدولية.

5- اعتبار ايران في المنظور الاستراتيجي الإماراتي خطرا مكملا لخطر الإسلام السياسي ،وهو ما يستوجب مواجهته، وبهذا لا بد لها أن تصطف الى جوار خصوم ايران بكل ما قد ينطوي عليه هذا من مخاطر، وهو موقف لا يتسق مع الموقف الجزائري من ايران رغم أي تحفظ جزائري على بعض سياسات ايران أو من الإسلام السياسي بشكل عام.

إن النظر الى " اغلب ما ورد أعلاه" يصطدم بنيويا-لا مباشرة- مع الرؤية الجزائرية، والدليل على ذلك هو أن هذا التباين البنيوي بين البلدين انعكس في سياسات تمس مباشرة الأمن الجزائري، وهو ما دفع الجزائر للموقف الأخير، ويكفي تأمل المؤشرات التالية:

أ‌- التدخل الإماراتي في الشأن الداخلي للدول العربية(كما أوضحنا) يتصادم مع التوجه الجزائري الذي يسعى لعدم التدخل في الشأن الداخلي أو التدخل من زاوية الوساطة الإيجابية فقط.

ب‌- تنظر الجزائر الى الإمارات "كطرف في تحالف غربي" يظهر في مساندتها المغرب في قضية الصحراء الى حد إقامة قنصلية إماراتية في الصحراء ، وإقامة علاقات دبلوماسية وتجارية بل وعسكرية مع إسرائيل.

ت‌- شعور الجزائر بان هناك تنسيق في إدارة العلاقات الإسرائيلية الإماراتية مع إفريقيا ككل ، وهذه القارة تشكل فضاء جيواستراتيجي تاريخيا للجزائر، ولاحظنا ذلك في حرمان إسرائيل من الحصول على مقعد العضو المراقب في الاتحاد الإفريقي.

ث‌- تستشعر الجزائر دورا للإمارات في تأجيج بعض جوانب الخلاف مع دول الساحل الإفريقي(-مالي-النيجر) التي تتشارك مع الجزائر بحدود برية تصلى الى حوالي 2332 كيلو متر، مع انعكاسات ذلك على بقية دول الساحل من التشاد الى –بوركينا فاسو، لا سيما في ظل تنافس دولي محتدم على هذه المناطق بين القوى الكبرى.، مع الأخذ في الاعتبار وجود جماعات مسلحة وشبكات تهريب وضعف في سيطرة حكومات الساحل ، وتزايدت الحساسية بين الجزائر وهذه الدول بعد اتهامات باماكو للجزائر بالتدخل في الشأن الداخلي المالي، كما أن مشروع خط أنابيب الغاز العابر للصحراء والذي يقدر ان يمر من النيجر والجزائر الى أوروبا حاملا الغاز النايجيري يشكل نقطة تقاطع مع دول الساحل ، ناهيك عن طموحات الإمارات في ذهب مالي ويورانيوم النيجر، فالإمارات هي أحد أهم أسواق الذهب الإفريقي، وللإمارات ما يفوق 160 شركة إماراتية في القارة الإفريقية، وهو ما يعني أن تنامي النفوذ الإماراتي المتسق مع النفوذ الغربي قد يكون مصدر قلق عميق جزائريا. ويبدو أن تراجع النفوذ الفرنسي في دول الساحل وتنامي الدور الروسي دفع لتوظيف الإمكانات الإماراتية لإعادة الوضع لسابق عهده كأحد الاحتمالات.

ج‌- تتعزز المخاوف الجزائرية من خلال الدور الإماراتي-في منظور الجزائر- في ليبيا، فالتقارير المتداولة تؤكد أن الإمارات تدعم قوات خليفة حفتر الذي تنظر له الجزائر بتوجس بخاصة أن عدم الاستقرار في ليبيا يمس جوهر الأمن الجزائري.

ح‌- يبدو أن لدى الجزائر معلومات متزايدة عن علاقات ثلاثية بين المغرب وإسرائيل وحركة ماك(MAK) وهي حركة أمازيغية تدعو لحق تقرير المصير للقبائل(البربر) في الجزائر، وهو ما يعتبره الجزائر تدخلا في الشأن الوطني ومن زاوية حساسة جدا للأمن الوطني.

أخيرا، صحيح أن "الصغر جميل" بمعنى معين، لكنه ينطوي على مخاطر ابرزها كما يقول المثل الإفريقي" إذا تصارعت الفيلة ،فلن يُداس إلا العشب"، وحيث أن المنطقة العربية هي الإقليم الأكثر عدم استقرار ،والأكثر تزاحما دوليا بخاصة بين " فيلة النظام الدولي المعاصر" لأسباب عديدة، فان الإمارات بتوسيع "حلبة صراعاتها الجيواقتصادية" قد تدرك نظرية " شيلا هاردن" السياسية الأمنية لاحقا ولكن بعد فوات الأوان....ربما.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات