بمناسبة الجدل الدّائر حول قطع الكهرباء والماء ،وبمناسبة كلّ أزمة اجتماعيّة واقتصاديّة ،يطرح السّؤال الذي طرحه روّاد النهضة خلال القرن التّاسع عشر ، ليس في العالم العربي وحسب وإنّما في كلّ بلاد العالم التي إمّا أنّها كانت تحت احتلال غاشم أو هي ليست كذلك وإنّما تعيش أوضاعا متخلّفة على جميع الصّعد لأسباب أخرى. كلّ أمّة طرحت السّؤال بلسانها: لماذا تخلّفنا وتقدّم غيرنا؟ اختلف التّشخيص من أمّة إلى أخرى، بينما اتّجه روّاد النّهضة في العالم العربي(وكان مركزها مصر ولبنان) إلى اختلاف كبير في التشخيص، ولكن هناك شبه إجماع على أنّ الإستعمار ،هو احد أبرز الأسباب، وقد كان تشخيصا كسولا ،يعلّق التّخلّف على أسباب خارجيّة ويعفي السياسيين والنخب من معالجة جدّية، ومازال هذا التّشخيص إلى الآن…
وبينما كان هذا حال العرب مع انحطاطهم ، اتّجه آخرون ،مثل الهند و الصين وقليل جدّا من بلاد العالم الإسلامي مثل "ماليزيا" وتركيا إلى تشخيص مختلف: لم يعلّقوا تخلّفهم على القوى الخارجيّة وحسب وإنّما جعلوا الجهل الفاشي في مجتمعاتهم سببا رئيسيّا، ومن ثمّ اتّجهوا إلى التّعليم في كلّ مراحله إصلاحا وتأسيسا ،وخصّصوا له ميزانيات ضخمة .
لم يمض عليهم نصف قرن حتّى بدؤوا يجنون ثمار رهاناتهم في كلّ مجالات الحياة....ومقصد الكلام ،من أراد تغييرا جذريّا في بنية المجتمع فعليه بالتّعليم، ومن أراد تغييرا في البنى التحتية فعليه بالتّعليم ،ومن أراد وفرة الإنتاج فعليه بالتعليم ،ومن أراد الرفاه الإجتماعي ، فعليه بالتعليم ، ومن أراد الثّروة فعليه بالتّعليم، ومن أراد السيادة الحقيقيّة فعليه بالتّعليم ..ولكن سيطرح سؤال لابدّ منه: أيّ تعليم يمكن أن يحدث تلك النّقلة النّوعيٌة ؟
لأنّ البلاد العربية كلّها فيها تعليم في ظاهره حديث ،وينفق أغلبها على التعليم بدرجات متفاوتة ، ولكن لم تحدث نهضة ولا ملامح نهضة ، وماذاك إلّا لعلّة في برامج التّعليم ، فليس كلّ فتح للمدارس والجامعات وتعميمها يمكن أن يحدث إصلاحا عميقا في المجتمع...لقد كان منطلق النّهضة العربيّة في مصر ولبنان ومع ذلك فلقد شهدت الدّولتان تراجعا خطيراً عن بدايات النّهضة ، وماذاك إلّا لقصور في التّعليم...يقول الشاعر والفيلسوف الهندي محمّد إقبال: "يا لبلادة فرعون الذي لم يصل تفكيره إلى تأسيس الكلٌيات ،وقد كان ذلك اسهل طريق لقتل الأولاد ،ولو فعل ذلك لم يلحقه العار وسوء الأحدوثة في التّاريخ.