شرعنة حروب الإبادة

الحرب العدوانية الأمريكية الصهيونية على إيران عادت، ويبدو أنها ستركز على البنية التحتية المدنية بعد أن استنفد المجرمون في البيت الأبيض وتل أبيب كل الأهداف العسكرية وفشلوا في القضاء على القدرات الإيرانية.

عاد ترامب إلى الحديث مرة أخرى عن تدمير محطات الطاقة، وتقول الأخبار بأنه يتم استهداف خطوط السكك الحديدية والجسور، وكل المنشآت المدنية، والهدف هو معاقبة الشعب الإيراني بعد أن أظهرت جنازة المرشد الأعلى الشهيد خامنئي أن محاولة إسقاط النظام عززته بشكل غير مسبوق.

الأمر يتجاوز بكثير مسألة الملف النووي أو حتى مضيق هرمز، فالهدف الثابت لهذا العدوان لم يتغير منذ البداية وهو تدمير إيران وتفكيكها، وقرار العودة إلى الحرب هو تأكيد على أن ترامب، ومن ورائه أوروبا أيضا وحلف الناتو، اختاروا أن يتحملوا المخاطرة بالكلفة الاقتصادية العالية سعيا إلى تحقيق هدفهم الأهم وهو إزالة التهديد الإيراني لإسرائيل، وهذا ما قاله الأمين العام للناتو مارك روته بكل وضوح في تصريحاته في أنقرة عندما اعتبر أن الهجوم الأمريكي ضروري من أجل منع إيران من امتلاك سلاح نووي وإنهاء تهديدها لإسرائيل.

لقد كانت عودة الحرب، والتي لم تتوقف عمليا رغم توقيع مذكرة التفاهم، أمرا مرجحا، لكن الذي يحدث الآن هو التوجه نحو حرب إجرامية تستهدف المدنيين بالأساس ويكون بنك أهدافها هو البنية التحتية المدنية، ويبدو أن ترامب حصل على موافقة الخليجيين وهو ما يظهره بوضوح البيان الخليجي الأمريكي الذي بني على أساس المطالب الإسرائيلية المتعلقة بتجريد إيران من قدراتها الصاروخية وطائراتها المسيرة، ثم اكتمل الأمر بالانخراط التركي في العملية من خلال إعلان أردوغان المشاركة في ما سماه عملية نزع الألغام من مضيق هرمز، وهو إعلان صريح بالمشاركة في الحرب على إيران، وهو ما يعني أن الدول الخليجية وتركيا أيضا سائرون خلف ترامب والناتو في المخاطرة الاقتصادية.

لن يكون لدى إيران خيار آخر غير الرد بضرب البنية التحتية لدول الخليج، وقد أشارت طهران إلى الأمر بصفة مباشرة عندما قالت إنه لن يبقى بئر نفط أو غاز في المنطقة في منأى عن الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، وهذا يثير سؤالا كبيرا عن مدى عقلانية القرار الخليجي بالسير خلف ترامب الذي يتحرك بتحريض مباشر وصريح من مجرم الحرب نتنياهو.

المنطقة أمام احتمالات حرب مفتوحة وشاملة يغيب فيها التمييز بين المدني والعسكري، وهذا هو الأسلوب الإسرائيلي المعروف، وترامب سائر نحوه، لكن هذا يحيلنا إلى الحرب الأخرى الدائرة في أوكرانيا منذ أربع سنوات ونصف، ففي مقابل الإصرار الأوروبي على تدمير روسيا وتفكيكها، وميل ترامب إلى مجاراتها في هذا الخيار، فإن روسيا ستسير على أثر ترامب بالهجوم على البنية التحتية في أوكرانيا، وهو ما يطالب به كثير من الخبراء الروس ثم توجيه ضربات بالأسلحة التقليدية لدول أوروبية واللجوء إلى السلاح النووي في مرحلة لاحقة لحسم الحرب كما يدعو إلى ذلك صراحة سيرغي كاراغانوف.

إن الناتو الذي يحارب روسيا ويستعد للمشاركة في الحرب على إيران يمنح كل المبررات لموسكو وطهران باستهداف البنى التحتية المدنية، وهو ما قد يؤدي إلى خراب اقتصادي عالمي لا يمكن توقع حدوده، ومثلما تواجه روسيا أساليب الحرب غير المتماثلة التي اتبعتها أوكرانيا فإن أمريكا تواجه نفس التحدي مع إيران، وعندما يختار ترامب الحرب الشاملة على المدنيين لإرغام طهران على الخضوع فإن بوتين لن يحرم نفسه من استعمال هذا الحل الجذري لتدمير نظام كييف وحسم الحرب.

السؤال المحير في كل هذا كيف قررت دول الخليج، وهي الكيانات التي ظهرت هشاشتها في هذه الحرب، أن تغامر بالقفز إلى قعر الجحيم خدمة لغرور ترامب وتنفيذا لمخطط مجرم الحرب نتنياهو؟

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات