التدمير الذاتي للنظام

تأمر السلطة وسائل الإعلام الخاصة بتبرير ضعف نسبة المشاركة في الانتخابات، ثم تأمر وسائل الإعلام العمومية بنقل ما نشرته وسائل الإعلام الخاصة بإيعاز من السلطة.

هذه حالة متقدمة من الإنكار وصلت إلى حد الفصام، والقراءة الجاهزة هي أن ضعف المشاركة دليل على إخفاق الأحزاب، والحقيقة أن السلطة هي من تختار الأحزاب التي يسمح لها بممارسة السياسة، وهي التي تقرر من يشارك في الانتخابات، والطريقة التي صيغت بها المادة 200، والطريقة التي طبقت بها بعد ذلك تشرح كل شيء لمن كان يبحث عن مزيد من الشرح.

أي أحزاب ترميها السلطة بالإخفاق؟ هل هي الأحزاب التي تقول بأنها شاركت في الانتخابات دعما لبرنامج تبون ؟ أم المقصود أقدم حزب معارض في البلاد أسس لسياسة المقاطعة وانتهى الأمر بقادته إلى تخوين من يدعو إلى المقاطعة؟

الرسالة التي تريد أن تمررها السلطة رسالة قديمة، فقد كان تبرير السلطة لضعف نسبة المشاركة في عهد الراحل بوتفليقة أن الانتخابات التشريعية في الجزائر لا تستقطب اهتماما كبيرا على عكس الانتخابات الرئاسية لأن الرئيس هو من يهم الجزائريين، وقد جاء هذا التبرير بعد تجاوز التبرير الشهير الذي قدمه وزير الداخلية الأسبق الراحل يزيد زرهوني عندما قال إن سوء الأحوال الجوية كان سببا في عدم الخروج للتصويت.

الأحزاب، بشكلها الحالي وقياداتها الراهنة، جزء من نظام سياسي حاول الجزائريون تغييره من خلال السلمية، ورغم أن المشروع لم يتبلور فإن المطلب كان واضحا ودقيقا وما زال قائما إلى الآن، وتواجهه السلطة بمزيد من الإنكار والإبداع في القمع.

لقد اكتشف الذين حاولوا إقناع الجزائريين بأن بوتفليقة هو مركز الكون، وأن النظام باق إلى الأبد ( مقولة ولد عباس: نحن الدولة)، أنهم لا يعرفون الجزائريين، وأن الوهم لا يصمد أبدا في وجه الحقيقة، وقد انتهى الفصل بين الأحزاب والرئيس إلى سقوط الاثنين، ومع مرور الوقت تحولت نسب المشاركة المتدنية إلى قاعدة ثابتة في كل اقتراع، ولا فرق بين استفتاء على الدستور أو انتخابات محلية وتشريعية ورئاسية.

كيف يمكن لرئيس أن يحكم ببرلمان يتشكل من أحزاب فاشلة؟ الحقيقة أنه يحكم دونما حاجة إلى برلمان أو أحزاب، وهذه هي الرسالة التي يوصلها لنا الخطاب السياسي والإعلامي، وهكذا يمهد الإنكار لمرحلة التدمير الذاتي التي دخل فيها النظام.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات