يمكنك قول لا دون أن تنتحر

يقدم الإعلام العربي المملوك لدول الخليج الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران باعتبارها نزهة لن تكون لها إلا نهاية واحدة هي اختفاء الدور الإيراني في الإقليم، هذا إذا بقيت إيران متماسكة كدولة.

لا تمثل هذه النظرة مواقف الحكومات التي تمتلك وسائل الإعلام تلك فحسب، بل هي انعكاس لثقافة راسخة تقوم على اعتبار التفوق العسكري الأمريكي والصهيوني قدرا لا يمكن التعامل معه إلا بالاستسلام والخضوع، ومن هذا المنطلق يصبح السعي إلى معالجة هذا الاختلال في ميزان القوى عملية انتحار تكون نهايتها الموت المحقق.

هكذا يجري تقديم السياسة الخارجية لإيران منذ عقود على أنها انتحار، ويحصر دورها في الحرب الآن في التقدم بثبات على مذبح الشهادة حيث يتم استحضار حادثة كربلاء واستشهاد الحسين كمحدد لسلوك دولة الولي الفقيه.

والحقيقة أن دحض هذه القراءة جاء من غزة أولا من خلال طوفان الأقصى الذي حطم عقدة التفوق التكنولوجي والاستخباراتي والعسكري، ومواجهة إيران للطغيان الأمريكي الصهيوني اليوم يؤكد كسر تلك العقدة التي يبدو أنها تتغذى بالأساس من عقدة الدونية التي تحكم علاقة أنظمة الحكم العربية ( الخليجية خاصة) بالغرب والتي تجعلهم لا يفكرون أصلا في بدائل تمنح الأوراق التي بحوزتهم( مصادر الطاقة أهمها)، قيمتها الحقيقية بما يحسن قدرة تلك الحكومات على التفاوض في زمن يشهد فيه العالم مخاض نظام جديد.

في الغرب، أمريكا تحديدا، توجد هوامش أوسع لبناء سردية أكثر موضوعية من تلك التي يفرضها الإعلام التقليدي المهيمن، وعلى منصات التواصل الاجتماعي تقارع برامج بودكاست شهيرة الرواية الرسمية وتخضعها للتشريح والنقد، وحتى داخل الصحف الكبرى يمكن قراءة مقالات لخبراء ومعلقين يتناولون الحرب بعيدا عن أكاذيب ترامب وأركان إدارته.

نعم يمكن أن تستمع إلى أساتذة من جامعات مرموقة وضباط كبار ومحللين سابقين من أجهزة استخبارات غربية يشرحون كيف تتفاوض إيران بالصواريخ والمسيرات مثلما فاوضت لسنوات طويلة قبل ذلك بالدبلوماسية، ولن تجد من يتهم كبار الواقعيين بأنهم يحلمون أو يشبههم بالصحاف على سبيل التحقير.

إن أكبر ضحية في الإعلام العربي هو مصطلحات مثل البراغماتية والواقعية التي فرض عليها مرادف عربي واحد هو الاستسلام، وإذا كان قارئ وول ستريت جورنال يعرف جيدا بأنه أمام ذراع إعلامية ودعائية صهيونية، فإن المتابع للإعلام العربي المهيمن هذه الأيام يطرح السؤال لماذا اختاروا أن يستنسخوا فوكس نيوز أو وول ستريت جورنال دون غيرهما من وسائل الإعلام الغربية.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات