التوريط المتبادل في الشرق الأوسط-الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية

منذ أن طرح غلين سنايدر (Glenn Snyder) نظريته في التحالف ، تضمن طرحه ثلاثة مسائل في علاقات دول التحالف ببعضهم :

أ‌- التوريط(Entrapment) والذي يعني وضع دولة عضو خطة لتوريط حليفها في صراع معين.

ب‌- التخلي(Abandonment)، أي القلق الذي ينتاب دولة عضو من أن يتخلى الحلفاء عنها- بعضهم أو كلهم- في لحظة حرجة من الصراع ،كما يبدو من موقف ترامب في الحرب الأوكرانية.

ت‌- الإنابة( Proxy) دفع الطرف الأقوى في التحالف (Principal ) دولة اقل أهمية في التحالف للقيام بعمل لصالحه لأنه لا يريد القيام بذلك لأسباب خاصة .

هذه الاستراتيجيات الثلاثة هي التي تصبغ السمة العامة للتفاعلات في الشرق الأوسط، والمشهد الأخير هو "اللهفة الإسرائيلية على توريط إسرائيل للولايات المتحدة في الحرب مع ايران –على غرار الحرب مع العراق- ، بينما ينتاب اطراف عربية في محور المقاومة هواجس من أن تتخلى ايران عنهم- وسوريا شاخصة في الأذهان- ، وتقوم دول عربية بمهام –كوكيل – للولايات المتحدة في مجالات دبلوماسية(التفاوض باسم أمريكا) أو دعم طرف معين بخاصة في صراع دولي بكيفية يرضى عنها "السيد" ، أو تقديم مرافق في بلاده لخدمة "السيد" مثل القواعد العسكرية أو حتى القيام بمهام تجسسية أو التعاون الاستخباري…الخ.

شكلت القضية الفلسطينية ميدانا خصبا في ملابساتها العديدة جدا لممارسة الأشكال الثلاثة السابقة، ومن حق الطرف الفلسطيني ان يمارس بعضا من هذه الاستراتيجيات ، ومن المفيد للفلسطينيين في الوقت الحالي توريط دول في الصراع مع إسرائيل ، فالحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية الحالية ليس للفلسطينيين أي دور ميداني فيها، لكنها ستصيب إسرائيل بشكل خاص بأضرار بشرية ومادية ، بينما الطرف الفلسطيني لن يخسر أي شيء، فمن حق الفلسطيني النظر لهذه الحرب من زاوية "براغماتية".

أما العرب الذي فتحوا أراضيهم للقواعد الأمريكية، فقد تورطوا في الحرب الحالية (رغم إعلاناتهم المتكررة قبل اشتعال الحرب بانهم لن يسمحوا باستخدام أراضيهم للآخرين من منطلق سيادة موهومة ) أو يمارسون دور الوكيل ، ولعل ما يجمع الوظيفتين هو الانخراط ضمن القيادة المركزية الأمريكية أولا ثم الحاق إسرائيل بهذه القيادة عام 2021، ومن هنا أصبحت أوزار إسرائيل السياسية جزءا من العبء الذي على الطرف العربي تحمله.

ها هي غزة تتفرج الآن على الصراع، ولن تخسر شيئا، ومهما كانت النتائج فان إسرائيل تتأذى ، كما أن بدء إسرائيل العدوان على ايران –رغم إشاعة جو من التفاؤل في البيئة التفاوضية – يزيد الصورة السوداوية لإسرائيل دوليا، ويجعل أوروبا اقل تعاطفا مها لان التداعيات الاقتصادية(أسعار البترول وتعثر النقل البحري عبر البحر الأحمر أو حتى من راس الرجاء الصالح) والتداعيات الديموغرافية( احتمال تجدد موجات الهجرة لأوروبا) والسياسية( الاضطرار للانصراف قليلا عن المشهد الأوكراني) وكل ذلك يصب في صالح روسيا ، بما في ذلك زيادة أسعار الطاقة لصالح الخزينة الروسية وزيادة الضغط على أوروبا لتغطية العجز الطاقي فيما لو تم إغلاق مضيق هرمز.

مهما كانت نتيجة الحرب ، فان الطرف الفلسطيني بالتأكيد لن يخسر شيئا لكنه في أسوأ السيناريوهات "سيشعر ببعض النتائج" لما سيصيب إسرائيل من خسائر، ناهيك عن أن الأوروبيين اصبحوا اكثر قناعة – ومعهم قطاع دولي واسع- يلح على إيجاد مخرج للقضية الفلسطينية ، وهو امر يقابله تزايد الشعور في المجتمع الإسرائيلي بانه يتحول الى "دولة اسبارطية " ، فجولات الحروب لا تنتهي.وهو مكسب فلسطيني..

إضافة لذلك، فان تكريس صورة ترامب "الكذاب" والذي ورط العُمانيين في مسرحية خلق الانطباع بان التفاوض يسير باتجاه إيجابي ، هو مكسب فلسطيني لأنه يحرج الدبلوماسية العربية التي أغدقت على ترامب الهدايا ،ويخفف من الشعور من القادة العرب بالدونية تجاه هذا الرجل الذي وصفة جون بولتون في كتابه " بالمعتوه"…

من حق الفلسطينيين أن يتقبلوا وقوع هذه الحرب، وكلما اتسعت مشاركة اطراف المحور المقاوم كلما كان ذلك لصالحهم مهما كانت النتائج. ..ربما.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات