العلمانية المسلحة بالكراهية: حين يتحول التنوير إلى خطاب استئصال:

في الزمن الذي يروج فيه خطاب الحداثة العربية لنفسه بوصفه مشروعا تنويريا لتحرير العقل من سياجه الدوغمائي بتعبير محمد أركون، نواجه في هذا الفضاء المليء بخطابات الكراهية متعددة الألوان، طيفا متزايدا من الكتابات التي تتوشح بالعلمانية لكنها تنضح بإقصاء فج، واستعلاء رمزي، وعداء عنيف تجاه كل ما يمثل الامتداد الأخلاقي والديني لمجتمعاتنا.

إننا في حقيقة الأمر، أمام نسخة محلية من العنف الرمزي الاستعماري الغربي، معاد إنتاجه بأدوات محلية، يحمله كتاب عرب يدعون التنوير، بينما يمارسون ضربا من الإقصاء لا يقل فتكا عن الاستبداد الديني الذي يزعمون محاربته، ولا عن الاستبداد السياسي الذي ينتقدونه إذا مس بهم، ويتمنونه ويحنون إليه بل ويتمسحونه رغبة في تسليطه على عدوهم.

إن الخطاب الذي يتبناه بعض هؤلاء الكتاب المبتدئون في النضال المؤدلج لا يقوم على نقد بناء، بل على محو رمزي، يصور المحافظين بوصفهم "رعاعًا"، و"كائنات متأخرة"، و"همجا رجعيا"!!! وهم يكررون بعض خطابات أصنامهم الذين ادعوا نقد الفكر الديني، لكن تشريح كتاباتهم يبرز أنها لا تسعى إلى فهم الظاهرة الدينية، بل إلى تفجير بنيتها من الداخل، وصهرها في بوتقة الغربنة القسرية، وبهذا يتحول خطابهم إلى ما يمكن تسميته بـ"العلمانية الكولونيالية"، التي تعيد إنتاج استعمار الداخل عبر أدوات السخرية والتحقير ونزع الشرعية الأخلاقية عن خصومها.

والمفارقة الأشد سخرية أن هؤلاء الذين ينطقون بلسان الحداثة، ويشهرون سيف "العقل الكوني"، يجهلون أو يتجاهلون عمق التحولات المعرفية والنقدية التي شهدها الغرب ذاته، منذ مدرسة فرانكفورت إلى ميشال فوكو، ومن إدوارد سعيد إلى تشاكرابارتي، ومن حنا أرندت إلى أشيل مبيمبي. هؤلاء المفكرون لم يترددوا في تفكيك إرث الحداثة الغربية، وفضح استعلائها المعرفي، وميلها البنيوي نحو الإقصاء العنيف تحت ستار "التحرر"، ومع ذلك، لا يزال كتابنا الحداثيون أسرى صورة ميتافيزيقية عن الحداثة، لم تعد تجد صدى لها حتى في جامعات باريس أو بوسطن، ناهيك عن دوائر الفكر النقدي في الجنوب العالمي.

إن هؤلاء يجهلون أو يتناسون أن الغرب نفسه قد راجع كثيرًا من مرتكزات علمانيته الصلبة، وعلى رأسها النموذج الفرنسي اللائكي، الذي كان يقدم لفترة طويلة بوصفه المثال الأعلى في فصل الدين عن المجال العام، ففي مقابل هذا النموذج الذي أسفر عن صدام متكرر مع الأقليات الدينية والثقافية، ظهرت في العقود الأخيرة أطروحات غربية معتبرة – من يورغن هابرماس إلى تشارلز تايلور، ومن طلال أسد إلى جوسلين سيزاري – تدعو إلى نموذج تعددي يقر بالدين بوصفه مكونا شرعيا في المجال العمومي، ويؤمن بأن الحياد لا يعني الإقصاء، بل الانفتاح على تنوع المرجعيات الأخلاقية والثقافية.

لقد أصبح من المسلم به في أدبيات الفلسفة السياسية الغربية أن "الحداثة المسؤولة" لا تبنى على النفي، بل على الاعتراف، ولا على نزع الرمزية، بل على التفاوض الرمزي، ولم يعد الدين يقدم بوصفه خصما للعقل، بل شريكا في بناء المعنى الجماعي. ومع ذلك، يظل كتابنا الحداثيون متشبثين بصورة متخشبة عن العلمانية، أشبه بـ"نموذج مفخخ" لتصفية الخصوم لا لتحرير المجتمع، بما يكشف اننا مع "خطاب مسيس" وليس خطاب فكري.

إن هؤلاء لا يقرؤون سوى أنفسهم، ويستبطنون المركزية الغربية دون وعي، إذ يتخيلون أن الخلاص الوحيد هو الاستنساخ وليس الإبداع، والمحو وليس الحوار، والتنميط وليس التفكيك، وهم إذ يمارسون عنفا معرفيا وأخلاقيا على المختلفين عنهم، إنما يعيدون تمثيل دور المستعمر القديم، الذي كان يرى في التدين، وفي أنماط العيش المحلية، "مظاهر تخلف" يجب اقتلاعها.

إن هذا التواطؤ بين الحداثة والإقصاء لا يمكن فصله عن مشروع أوسع، يقوم على سلب المجتمعات حقها في إنتاج تصوراتها الخاصة عن الحياة والمعنى والأخلاق، فبدل أن يكون المثقف العلماني جسرًا للفهم، يغدو خندقا للكراهية، يحرّض على الاستئصال الرمزي والاجتماعي، متناسيا أن تفكيك الهيمنة لا يتم بإحلال هيمنة جديدة، بل باحترام السياقات، وتعدد المرجعيات، وإقرار حق الاختلاف بوصفه شرطا للعيش المشترك الذي يدندنون حوله وينقضونه في الوقت ذاته.

إن هذا العنف باسم العقل مرفوض ومدان، لأنه يحول العقل إلى أداة لإنتاج نخبوية معزولة، تسخر من الجماهير، وتجرم ذاكرتهم، وتشوه رموزهم، وفي الوقت ذاته فإن حماية الأمن الرمزي للمجتمع ليست ترفا أخلاقيا بل ضرورة سياسية، تقي المجتمعات من الانقسام، ومن إعادة إنتاج صراعات الهوية التي مزقت بلدانا بأكملها.

إن أخطر ما يستدعيه وما ينتجه خطاب الكراهية في الوقت ذاته، هو تكريسه لفكرة "الهوية المفردة"، التي تُختزل فيها المجتمعات إلى بعد أحادي متخشب، لا يعترف بالتعدد، ولا يقبل بالتراكب التاريخي، ذلك أن اختزال الأفراد والجماعات في تصنيفات حصرية أحادية جامدة هو عنف رمزي يعيد إنتاج الإقصاء باسم النقاء، وهذا في جوهره نفي لما أنتجه التاريخ ذاته من تداخل عضوي بين المكونات، واختلاط في المرجعيات، وتشابك في الأنساق الثقافية، وهي الحالة التي استوعبتها دار الإسلام في فلسفتها، وتتمثلها اليوم الرؤية الوطنية المتجاوزة لخطابات القومية الصافية، لأن الوعي السليم بالتاريخ يؤكد أن لا وطن تشكّل خارج سيرورة تفاعل الهويات، ولا مجتمع ولد على طاولة رسم هندسي صافٍ.

إن الهويات المركبة هي أساس الاستقرار الاجتماعي، ومن يرفض الاعتراف بهذا التعقيد التاريخي، إنما يهيئ الطريق لخطاب طهرانيّ استئصاليّ، لا يرى في الآخر سوى خللا يجب تصحيحه، أو جسما غريبا يجب بتره. لهذا فإن التعايش الهوياتي ليس ترفا أخلاقيًا، بل قراءة دقيقة لمنتج التاريخ، واستيعاب عميق لطبقات الذاكرة الوطنية، بما تحمله من التقاءات وصراعات وتفاهمات.

إن دواء خطاب الإقصاء هو العلم والاعتبار من التاريخ، لأن هذه الكتابات الموتورة نتيجة الجهل المركب حيث يفشل الجاهل في إدراك ذاته، فينتج مقولات بالغة الخطورة وهو يظن أنه يناضل لأجل التنوير!!!

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات