لا خير في من حكمْ.. لا خير في من عارض.. قراءة في أزمة السياسة

Photo

ما تعيشه البلاد اليوم، على كلّ المستويات (السياسية والاعلامية والاقتصادية-الاجتماعيّة) هو خير دلالة على انتهاء دورة والدخول في دورة جديدة (cycle) .. السمة العامّة للمشهد هو التأزّم وانسداد الأفق..

في الظاهر الأزمة هي أزمة حكم.. تتلخّص في العودة الكاملة للمنظومة القديمة، وفشل الثورة في تحقيق جلّ أهدافها.. وحتّى ما تحقّق من القليل من هذه الأهداف، هو في مهبّ الريح ويوشك أن يتلاشى..

ولكن لو تمعّنا النظر.. لوجدنا بأنّ الأزمة، ليست بالأساس أزمة حكم، بل هي أعمق وأعظم بكثير.. هي أزمة قيم.. تتساوى فيها جميع الأطراف، كلّ وحجمه.. كلّ وماضيه.. كلّ وموقعه في الهرمية.. ويتحمّل أعلى الهرم، أو ما يطلق عليه بالنخب السياسية والاعلامية والثقافية والاقتصادية، القدر الأكبر من المسؤولية في هذا التأزّم العام..

الأطراف الحاكمة اليوم، وهي العمود الفقري للمنظومة القديمة.. تضع أمام أعين الناس مشهدا سمته التناحر اللاأخلاقي (وهذا منتظر، وعكس هذا المشهد كان سيحدث فينا الإستغراب).. ولكن ماذا عن الأطراف التي تنسب نفسها، بصورة أو بأخرى، إلى الثورة؟

هل قدّمتْ هذه الأطراف صورة مغايرة عن هذا التناحر اللاأخلاقي الذي يسم قوى الثورة المضادّة؟ حتما لا!

هي الأخرى مسكونة بأزمة الأخلاق والقيم.. هي الأخرى تتقاذفها التجاذبات والتناحر.. نعم التناحر ولست مبالغا.. التناحر على الفٌتات.. ،نعم الفتات! فهي ليست في الحكومة.. وهي ليست في الرئاسة.. ولكنها مع ذلك تتناحر.. حول ماذا؟ تتناحر حول زعامات وهميّة لأحزاب وحركات موهومة، هي إلى القواقع الفارغة أقرب..

أربعة سنوات من العمل السياسي الرديء، جعلها ترى واقها بأحجام مختلّة وغير واقعية.. جعلها عمياء، لا ترى المنحدر الذي تنكّبته، بل تحسبه صعودا.. فتتمادى فيما هي فيه، غير واعية لضرورة التوقّف والتأمّل وأخذ القرارات الصعبة اللازمة..

نظرة مجرّدة لما يحدث يجعلنا نتساءل هل انّ عودة المنظومة القديمة هي عودة أم تطوّر (بالمفهوم الدارويني للكلمة).. كيف؟

من وجهة نظر قيمية أخلاقيّة (أي سياسيّة بالمعنى النبيل للسياسة) حكومة مهدي جمعة هي تطوّر لحكومتيْ الترويكا، وحكومة حمادي الصيد والنداء هي تطوّر لحكومة مهدي جمعة.. والذي يرى أنّ في هذه السلسلة انقطاع ما، فليُقنعني..

أكاد أجزم الآن بمقولة: قل لي من يعارض، أقول لك من يحكم..

تحدّثت عن نهاية دورة مأزومة، وبداية دورة أشدّ تأزّما.. إنّها إذًا مرحلة مفصليّة، هذه التي نمرّ بها.. والمراحل المفصليّة تستدعي بحكم انتظاراتها الهائلة أجوبة تاريخية.. والأجوبة التاريخية قوامها القيم والأخلاق، ومنها الشجاعة والتجرّد ونكران الذات والعمل الدؤوب خدمة للوطن وللأجيال القادمة التي ستجازينا في القادم من الأيام إمّا بالشكر والعرفان ودعوات الخير، أو باللعن والاحتقار.. أو بالاّمبالاة..

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات