ضيعة "موريناس" ، بُستان الجنرال…

تصدير: "إنّ إطارات و أعوان و عُمّال ضيعة "موريناس" يحتفلون بذكرى التّحوّل المُبارك، ويُجدّدون البيعة لسيادة الرّئيس ويُناشدونه التّرشّح لرئاسيّة 2014".......ا

قدمان للتّحليق

وأنا أمارس عادة العدو على مهل، مارّا بجوار الضّيعة الشّاسعة، ومُحاذيا لأسوارها ... لم يكُن في الوارد أبدا أن أكُتب نصّا تكون هي تيمته....كانت مشاريع النّصوص تنهمر عليّ بغزارة، وآفاق الكتابة تنفتح أمامي رحبة بلا حُدود ، كالطّريق الطّويل المُمتدّ أمامي ... وخيالي يُجنّح بلا سقف، كالسّماء اللاّمتناهية فوقي.....في عدوي المُتأنّي المُتمهّل، كانت الأفكار الوافدة، ومشاريع النّصوص البكر تستنطق مناخات مُغايرة، وتوظّف عناصر أخرى، وتُرفرف عاليا وبعيدا، وتنأى عن الأرض وعن حدود هذه الضّيعة......

وحيدا كُنتُ، أسابق نفسي على مهل ... لا يستحثّني مُنافسون، ولا يستفزّني رهان، ولا يستعجلني سقف زمني مُحدّد ...الماراطون المُتأنّي هواية اعتاد عليها جسدي مُنذ سنوات وأدمَنها.....

وماراطون المسافات الطّويلة، لمن يُسابق نفسه بلا رهان، وبلا مُنافسين، وبلا سقف زمنيّ مُحدّد، لا يتطلّب ركضا، ولا يستدعي جُهدا بدنيّا خارقا....بل يُلملم طاقة الحكمة، ويُروّض الأفكار، ويفتح آفاقا للخيال ومنافذ للتّأمّل...يكفي تسريع الخطوة المُتمهّلة، وتوسيع الوثبة ليتعرّق الجسد،و يتمدّد، ويتمطّط ويتنفّس تلقائيّا....وحين تتنفّس مسام الجسد، تتنفّس معه مسام الفكر المُتكلّس، ومسام الرّوح الصّدئة، وتتوضّح المعالم، وتنجلي.

الرّؤى.... لقد كُنتُ دائما على قناعة بأنّ الأجساد، مثلما تحتاج لعناصر الإشباع والنّموّ، تحتاج أيضا لعناصر تفريغ الرّغبات الطّفوليّة الخجولة، الكامنة في لاوعينا ....كُنتُ على قناعة أيضا بأنّ الرّكض والرّقص من أشدّ العناصر المقموعة والمكبوتة التي يحتاجها الجسد لينتعش، وليُجدّد خلاياه التّالفة، وتحتاجها الرّوح لتصفو وتصحو...وكان لا بُدّ، لكي أتجدّد، ولكي أنتعش، ولكي أحلّق عاليا، ولكي تتوضّح رؤى فكري المُتكلّس، أن أتخفّف ممّا أمكن من رغبات طفوليّة خجولة، وأن أمارس بمرح طفوليّ عادة العدو ، مُستعيضا بقدميّ عن أجنحة التّحليق....

البستان

كُنتُ، كُلّما اقتربتُ من حدود "ضيعة موريناس"، أشعر بأجنحة خيالي الهائمة تتقلّص وتضمر ، وترتدّ إليّ...أو لعلّها تتحرّر وتتمدّد في اتّجاهات مُعاكسة لما أنتظره منها.....وكما الأفكار و الرّؤى، في طريق خال وطويل، تكون مُتحرّرة ومُنفتحة، ومُبتَدعة، وغريبة وبلا حُدود...فإنّ الأجنحة المُرتدّة، والأفكار والهواجس والكوابيس تكون كذلك مُبتكرة مُتحرّرة، ومُبتَدعة، وغير مُنتَظرة، وبلا سقف....

كانت الموانع الشّوكيّة، ومصدّات الرياح، وأشجار السرو العالية، المُتلاصقة والكثيفة الأغصان، تحجب رؤية ما بالدّاخل، وتمتدّ على حافتي الطّريق الطّويل الذي يخترق مُقسّمات القوارص وبساتين البرتقال....

كانت أجنحتي ترتدّ إليّ بكلّ عناصرها السّلبيّة، وأنا أقترب من حُدود الضّيعة ....لم تكُن تختلف في شيء عن البساتين المُجاورة، فالتّربة واحدة، و الشّكل الهندسيّ واحد، وفصيلة القوارص واحدة....الإسم فقط يرسُم الفارق ويصنع الاختلاف......

لقد تعاقَبَ مُنذ استقلال البلاد مالكون كُثرٌ على هذه الضّيعات، وتوارثتها أجيال وراء أجيال، ولا أدري تحديدا ما السّبب في أن تظلّ مُحافظة على وفائها لمالكيها الفرنسيّين والتصاقها بأسمائهم....لعلّه انبهار المغلوب بثقافة الغالب، والإقتداء به، و المُحافظة على إرثه والوفاء لتُراثه، والتّبرّك بجرس اسمه اللاّتيني....فعلى امتداد مساحة جغرافيّة واسعة ، تتوزّع هُنا وهُناك، وتنتشر داخل حُدود البلدة وما جاورها، أراضٍ مملوكة للدّولة ، وأخرى لخواص، مازالت تحمل أسماء "بيسو" و"بورّال" و"لابورت"و"نياتسو" و غيرهم من مُعمّري هذه الأرض ومُستعمريها.....وضيعة "موريناس" كانت تحمل إسما من هذه الأسماء ، ومعنى واحدا ... أصبحت الآن تحمل إسما واحدا وعدّة معانٍ ...كان المُعمّر "موريناس" الأكثر سطوة ونُفوذا، والمالك لأكبر بُستان في البلدة، والمُشغّل لأكبر عدد من رجال القرية ... عند هذا الحدّ يتوقّف المعنى الواحد الأوّل ... أمّا المعاني اللاّحقة، فقد ظهرت مُنذ سنوات قليلة، وأصبح للضّيعة دلالات عدّة، وتأويلات شتّى…

جارنا الجنرال

قيل إنّ "الجنرال" حين أصيب مُنذ سنوات بسرطان البروستاتا، أشار عليه طاقمه الطّبّي بأن يهجُر ضوضاء القصر وغازات المدينة وسُمومها الكيميائيّة، فاتّخذ من هذا البُستان المغمور والمطمور، و المملوك للدّولة، في بلدة وديعة ومُسالمة من بلدات الحزام الأخضر مُنتجعا للنّقاهة وللإستراحة....

انتشر الخبر في البلدة، وسُرعان ما أصبح الجنرال جارا…

لم أرَ جارنا الجنرال يوما، حتّى لقد شككتُ في صحّة الخبر، وكدتُ أعتبره من قبيل الإشاعة…

لا مواكب سيّارات سوداء مُظلمة تمرّ، ولا درّاجات ناريّة تسبقها لتفسح لها الطّريق، ولا حراسة مُشدّدة أمام باب الضّيعة، ولا أعوان سرّيين بزيّ مدني مبثوثين هُنا وهُناك، ولا الجنرال ذاته ظهر يوما بشحمه ولحمه وبشعره الدّاكن المصبوغ....

ومع ذلك، فقد كان هُنا، حاضرا بقوّة، ممزوجا بكلّ هذا الهدوء المُنساب ... كان حاضرا مع عناصر اللاّ ضجيج، يختبئ وراء كلّ شجرة، أو مُستويا مع أعمدة الكهرباء....كان الجنرال هُنا، نراه ولا نراه....

وأصبحت "ضيعة موريناس" ذات المعنى الواحد "بُستان الجنرال" بمعانيها الجديدة.....

عادة ما كانت الحركة على طول الطّريق الرّئيسي المُمتدّ، والمُؤدّي للضّيعة ، والمُتجاوز لها، تبدو هادئة وعاديّة، وشبه مُنعدمة، لا تُثير الشّك أو الرّيبة....كانت توهم بالأمن وبالأمان، وتُعطي انطباعا مُخادعا بالطّمأنينة....غير أنّ أجنحتي المُرتدّة إليّ بعناصرها السّلبيّة، وأنا أمارس عادة العدو، تُصوّر لي عكس ذلك تماما...لقد استقرّ في داخلي انطباع مُقاوم بقوّة، ومُغاير لما كان يرتسم في الواجهة، وعكس ما يجب أن يكون تماما....

إنّ الحرص المُبالغ فيه على أن تبدو الحالة عادية، وتوظيب المشهد وتأثيثه ليبدو آمنا، ينقلب إلى مفعول عكسي، ويبُثّ في النّفس انطباعا مُغايرا كُليّا...لقد كُنت ألمح كُتلا وأجساما وأجهزة غريبة مُثبّتة في الأحراش، وبين ظلال الأغصان الكثيفة والمُتشابكة...أو مزروعة بإتقان هُنا وهناك، أو مُلتحمة مع فوانيس الأعمدة الكهربائيّة العالية التي تُضيء الطّريق ليلا...لم أصدّق أبدا أنّها أعشاش طيور....أو بقايا أغصان جافة عالقة بأغصان الأشجار..كُنتُ على يقين من أنّها آلات تصوير وكاميرات مُراقبة، ترصد حركات وسكنات كل كائن مُتحرّك، مُقيما كان، أو مارا، أو عابر سبيل....حتّى الطّيور والخطاطيف الحاطّة فوق الأسلاك المعدنيّة، والتي تُتابعني في عدوي، لم تكن أعينها الجميلة تُراقبني بفضول ساذج أو بعفويّة بريئة .. كانت أعينها الجميلة أعوانا للجنرال....

قوانتانامو

كُنتُ، كعادتي كلمّا اقتربتُ من حدود ضيعة موريناس، أشعر برغبة قويّة في إفراغ كيس المثانة، والتّخلّص من فائض الماء الحاصل فيه... قد تكون رغبة طبيعيّة لعامل الخوف المُستبدّ بي ... أو لعلّها حاجة جسديّة طارئة ومُلحّة ناتجة عن المجهود العضليّ والعضوي المبذول أثناء العدو....وكُنت أستحي أن أتوقّف أمام الأعيُن الجميلة لأعوان الجنرال، الحاطة فوق الأسلاك، لتفريغ الفائض المائي المُتجمّع تحت عانتي....وكُنت أتحكّم في رغبتي تلك، بشدّ وبضغط مُؤلمين، إلى ما بعد حُدود الضّيعة، وأبعد من أعين أعوان الجنرال ...وكُنت ما بعد الضّيعة، أتخفّى بين الأحراش، وأتخّفف من الفائض المائي، لينتابني بعدها شُعور بالرّاحة وبالإرتخاء وبالإطمئنان، وبالرّغبة المُلحّة في مواصلة الرّحلة.....

في مرّات عديدة، وكحالة طارئة، يخطُر لي خاطر تحدٍّ وتُراودني فكرة اختبار غريب، وأنا أمرّ تحت رقابة الطّيور الحاطة...ما الذي سيحصُل لو انعكس هذا الشّعور القوي بالتّحدّي إلى رغبة في المواجهة ...ما الذي سيحصُل لو أنّني أفرغتُ فائضي المائي عمدا و عَلنا وبتجرّد تام أمام الباب الكبير للضّيعة ؟....أن أتوّقف عن العدو، وأفعل ذلك أمام أعشاش الطّيور الوهميّة؟ ... وتحت الفوانيس الرّاصدة؟....لم أكُن أشكّ للحظة في أنّ تلك الأعشاش المُثبّتة في ظلال الأغصان المُتداخلة، وتلك البلّورات المزروعة في الفوانيس، ستتحوّل فجأة وبسرعة قياسيّة إلى قبضات وسواعد اعتقال فولاذيّة تجرّني إلى داخل المُعتقل....وفي الدّاخل حيثُ يُمكنني أن أتبيّن أصوات وصرخات وأنين الأشباح المنسيّة في غياهب وظُلمات الأقبية الرّطبة...ثُمّ حين تتعوّد عيناي على الظّلمة، وينقشع الغبش، سأرى الأشباح بوضوح، وسأميّز بيُسر لون البدلات البُرتُقاليّة التي تلفّ هياكلها العظميّة...وسأرى العسس وهُم يسوقون عربات عليها بقايا آدميين....كُنتُ أرى بُستانا أخضر في بلدتي يتحوّل إلى قوانتانامو في كوبا ....

وكحالة طارئة أيضا، تنتابني غريزة النّجاة ... تستحثّني وتستعجلني بتسريع نسق الخُطى، وبالمُغادرة سريعا....تخونني شجاعتي ، وأخون أسفلي ، وأؤجّل الرّغبة إلى ما بعد حدود الضّيعة......

الجنرال يطير

رحل الجنرال ...طار الجنرال...الخبر لا يستحقّ ديباجة ولا يستدعي تقديما...هكذا بالضّبط....رحل الجنرال دون حاجة لطرح الأسئلة...انتشر الخبر في البلدة ... ودون تقديم ولا ديباجة، هجمت جحافل من شباب وصبية الأحياء القريبة والبعيدة على باب الضّيعة ... واستباحوها ...كان شهر جانفي... موسم جني القوارص .. تكفّل ياجوج ومأجوج بالمُهمّة، وجمعوا الصّابة لحسابهم ... أزالوا الشّريط القُماشيّ الأبيض المُعلّق فوق الباب والمكتوب عليه بالطّلاء البنفسجي

إنّ إطارات وأعوان وعُمّال ضيعة "موريناس" يحتفلون بذكرى التّحوّل المُبارك، ويُجدّدون البيعة لسيادة الرّئيس ويُناشدونه التّرشّح لرئاسيّة 2014"....

وكتبوا كلمتين مُختصَرتين على جدار الواجهة بطلاء أسود، وبخطّ رديء "ملك الشّعب".....

لم يتقلّص منسوب القلق، رغم انتفاء أسبابه....ثمّة مخاوف عديدة و لها أسبابها تشي بإمكانيّة قُدوم جنرال مُستجدّ، يتّخذ من الضّيعة مُنتجعا، و يكون لنا جارا جديدا....

ما زلتُ كعهدي، أمرّ أمام الضّيعة المُرمّمة، أمارس ماراطون العدو، بلا مُنافسين، وبلا رهانات ... وبمرح طفولي ...وما زلت أؤجّل الرّغبة المُلحّة إلى ما بعد حدود الضّيعة، استحياءً من الأعين الجميلة للطّيور الحاطة، و احتراما لقدسيّة ملك الشّعب.......

انتهت

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات