الغرب ليس عالميّاً أو ليس أكثر عالميّة من ثقافتنا

Photo

يجدر بنا التمييز بين الكوني – الذي هو قيمة معيارية – وبين “العالمي” أو “المعولم” – الذي هو نتاج تاريخي لنوع مخصوص من سياسة العالم. الكون بُعد ميتافيزيقي لأيّ كائن. بإمكان أيّ حيوان أن يشاطرنا ادّعاءنا حول معنى الكون.

لكنّ العالم مشكل يمكننا أن نؤرّخ له؛ ومن المهمّ التذكير بأنّ مصطلح “العولمة” هو ترجمة سيّئة أو غير بريئة لمصطلح إنكليزي يتحدث عن “الكرة الأرضية” أو “الغْلوب”: ما يقع هو “تكوير” العالم وليس عولمته.

ونعني بذلك أنّ تدبير العالم في ظلّ براديغم إمبراطوري (تحرسه أميركا) هو لا يهدف في واقع الأمر إلى “العولمة”، أي إلى فرض قيم كونية أو “كوكبية” على ثقافات “محلية”، بل إلى شيء أخطر من ذلك. كانت كل الإمبراطوريات السابقة على الحداثة (الفارسية، اليونانية، الرومانية، الإسلامية..) تبرّر توسّعها باللجوء إلى مبدأ “العالمية” في خطابها: أي كونها تخاطب الإنسان بما هو إنسان أو المواطن الإمبراطوري أو الناس كافة.. وليست “العولمة” المعاصرة غير الصيغة الأخيرة من سياسة قديمة للعالم باسم العالمية (عالمية القانون الروماني أو عالمية الدعوة التوحيدية..).

لكنّ الجديد هو تكوير العالم، نعني تحويل “العالم” إلى “كرة أرضية”، ومن ثمّ معاملة الشعوب غير الغربية باعتبارها مناطق إنسانية فارغة أو “غير مأهولة” ثقافيّاً. هم لا يأتون لنا بالعالمية، بل يعاملوننا بوصفنا مجالاً حيويّاً لا يملك مشروعاً للسكن في العالم أو لا يزال يعوّل على أجهزة تشريع تقليدية لذاته.

ومن ثمّ هو في موقع ضعف ميتافيزيقي، نعني لم يعد قادراً على تبرير وجوده التاريخي في هذا العصر بشكل ناجع. لا يتعلق الأمر بمعادلة صعبة بين العالمية والخصوصية؛ الغرب ليس عالميّاً أو ليس أكثر عالميّة من ثقافتنا. بل هو لا يقصد أن “يعولمنا” أو يحوّلنا إلى دول عالمية. هو يريد فقط “تكوير” وجودنا الراهن: إدراجنا داخل مساحات “الكرة الأرضية” كما يرسمها، حتى نصبح شعوباً ودولاً وعقولاً في مرماه ما بعد الحديث، بوصفنا مجرّد سوق مفتوحة أو مناطق تبادل حر للإنسان.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات