فازت حكومة الرئيس بثقة البرلمان…

Photo

الرئيس يكره البرلمان ويحتقر الأحزاب ويرفض الكتل التي تمثّلها ويتطاول في أقواله، التي خلاصتها "أنا الزعيم"، على الجميع.. لا يستثني أحدا لأنّه لا يحترم أحدا... ثمّة توجّس ينطلق من فرضية أن يكون الرئيس قد احتال، ككلّ مرّة، على الجميع ودفعهم بدهاء عمر بن العاص إلى الذهاب إلى الوجهة التي أرادها لهم…

وارد جدّا.. وقد احتال قيس سعيد من قبل على الشعب التونسيّ كلّه بصرخته المدوّية " التطبيع خيانة عظمى" وبأختها " أيرجى بالجراد صلاح أمر/ وقد جُبل الجراد على الفساد"…

ولقد صار، بعد أن صار رئيسا، يرى تطبيع الدول الشقيقة مع العدوّ الصهيوني شأنا داخليا لا يعني دولتنا ورئيسها الموقّر.. ولا يرى مشكلا في التطبيع مع المطبّعين لأنّ التطبيع عنده غير مُعْدٍ ولو انتدبت دولة الإمارات العربية إلى سفارتها ومرافقها في تونس خبراء من الدولة العبرية صديقتها وجلبت لها أجهزة من مصنوعاتها ومحاضرين من جامعاتها…

أمّا الفساد فما يُهمس به عن قصر قرطاج، ولم تمض السنة الأولى من العهدة، يشي بحظيرة فساد لا تبقي ولا تذر.. وما خفي كان أعظم... ودعك من خرافة "راجل نظيف" فالنظافة كانت صفة له قبل أن يكون رئيسا فلمّا صار انقلب كلّ شيء…


• هل سمعت بفساد مدير قبل إدارته؟

• وهل رأيت فساد وزير قبل الوزارة؟

• وهل نتحدّث عن فساد لمسؤول قبل مسؤوليته؟

الحديث عن " نظافة الرجل" هراء شبيه بإشادة المرء ببعض أهله في بيته.. وما أفسده بنو أميّة في عهد عثمان بن عفّان خدش صورة عثمان ذاته... فما ظنّك بما تصنعه الحاشية بقصر قرطاج بين يدي قيس سعيد الذي انتدبها لتلك المهمّة؟

إذن، احتيال قيس سعيد هذه المرة وارد.. ولك إن قلت به أن تشبّهه بما جرى من احتيال معاوية على علي بن أبي طالب في حادثة التحكيم الشهيرة بعد معركة صفّين.. وقد يكون البرلمان أكل الطعم وذهب في الطريق التي رسمها الرئيس: تمرير حكومته رغم أنف الخصوم…

ولكن

حتّى لو صحّت هذه الفرضية فقد كان يوم 1 سبتمبر 2020 يوم انتفاضة البرلمان على الرئيس.. ولقد سمع قيس سعيد على مدى 12 ساعة ما لم يسمعه في حياته كلّها.. وبعد أن قضّى زهاء سنة يتحدّث ليسمعه الناس ويصرخ ليسكت الجميع احترامًا للمقام، جاء اليوم الذي يتحدّث فيه الجميع ليسمعهم هو.. وليس له إلّا أن يسمعهم…

لقد كانت مداخلات بعض النواب بحقٍّ انتفاضة برلمانية على رئيس لا يسمع غير صوته ولا يرى غير صورته ولا يروق له سوى رأيه، كأنّ انتخابه كان تفويضا له ليعبث بالبلاد ونظامها كما أراد.. وورقة عبور ليفعل ما يريد تحت عنوان "الشعب يريد"…

وإن صحّت فرضية احتيال الرئيس على البرلمان لتنال الحكومة التي هندسها قصرُهُ ثقته، فذلك ليس لصالحه…

فالبرلمان الذي صادق على الحكومة على قاعدة التعاقدات الضمنية والصريحة التي وردت في خطابات رئيس الحكومة ونواب البرلمان صار هو المسؤول عنها يرافقها ويراقبها.. ويعاقبها..

فإن انسجم الرئيس مع مؤسستي البرلمان والحكومة فقد نجا وإن هو واصل عنترياته وعاد إلى انتصابه الفوضويّ في المشهد ضاربا عرض الحائط بالتعاقدات الواقعة، وقتها لن يكون هو أولى بانتهاك الدستور بدعوى حق تأويله، من سواه…

اللحظة لا تزال لحظة متحركة.. وليس في صالحه، إن أراد أن يكمل عهدته، أن يزيد من إثارة الغبار حوله…

قيس سعيد ليس له عبقرية تُذكر ولا كفايات تُلحظ.. ويمكنه، إن شاء استعراض عبقريته، أن يبعث له حزبا يتزعمه ويخوض به الاستحقاقات.. يشكّل به قوّة برلمانية توجّه التشريعات السياسية إلى الوجهة التي يريدها ويُنفذ بها مشروعه الذي لم يقنع سوى جمهور هلامي لا يراه أحد خارج منصّات التواصل الاجتماعيّ.. أمّا عموم العقلاء الذين نسمعهم ونراهم فلا صلة لهم به.. ذلك هو سبيله الأوحد ما دام يثق في قدرته على الإقناع وصبره على العمل…

أمّا أن يجعل من الشعب رهينة لديه، لأنّه انتخبه رئيسا للجمهورية، فينتصب أستاذا للجميع في كلّ شيء فهذا أمر لن يكون من السهل عليه المرور إليه.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات