"حبحب...حبحب"

Photo

"حبحب...حبحب ..حبحب...حبحب"..كان صوتا مدويّا غريبا على مسامعنا به بعض البحّة و شيء من النشاز خرق صمت الحيّ و سكونه في عزّ ظهيرة قائظة ،لتفتح النوافذ و نشرأبّ الاعناق و يخرج البعض دون ان ينتعلوا ما يحميهم من لسعة الأرض الحارقة.

تحلّقوا حول الزّائر الوافد الذي بكلمة واحدة قالها بحزم: "توقّف" كانت كافية لفرملة الحمار ليركن على اليمين احتراما لقوانين المرور ولينتصب البائع واقفا بعد ان قفز من مقدّمة عربته الخشبية وقد تواتر صياحه وازداد حماسه.

كان التطفّل وحبّ الاطّلاع والقلق الّذي يحاصرني هو ما دفعني لأخرج مستكشفا كآخرين ماهية هذا الحبحب.

مددت يديا كالجميع لاختطف أحد الصّناديق المصفوفة بعناية على العربة والمكوّمة بحبّات الحبحب لأعود الى بيتي بواحد بثمن خيّل إليّ بأنّه زهيد لأتمتم في قلبي" مازال الخير في الدنيا"، ليمتطي البائع عربته ويأمر حماره بأن ينطلق بلغة عربية قحّة اثارت استغرابنا ونحن من تعودنا على "ار" للتشغيل و "اشتيه" للفرملة والتوقّف.

أخذت واحدة من حبات الحبحب لاتفحّصها، تحسّست شكلها الكروي و سطحها الناعم الأملس و امعنت فيها النّظر لأتأكّد من لونها الأخضر الدّاكن الّذي تشقّه بعض الخطوط الصفراء المتعرّجة لأنتقل الى مرحلة النّقر واضعا اذني على سطحها ترصّدا لصدى نقراتي.

هي حبّة دِلّاع لا شكّ في ذلك والحقيقة أنّها كانت ولا زالت عقدتي الّتي تذكّرني بخيباتي، فبقدر نهمي وشغفي بتلك الثمرة حلوة المذاق خصوصا بعد تبريدها بقدر سوء حظّي في اختيارها فعادة ما تكون الّتي اخترت بدون لون أو طعم وغالبا إذا ما خرقت القاعدة وحصل الاستثناء وسعدت بتلذّذ مذاقها لعانيت بعدها من القيء والاسهال.

تسارع نبضي و تصبّب العرق من جبيني لترتعش يدي الممسكة بسكّين و هي تقسمها الى نصفين و أنا مغمض العينين لأفتحهما على ما تعوّدت عليه،لون شاحب أقرب الى البياض، بلا طعم و لا رائحة. فتحت أخرى ثمّ أخرى حتّى أتممت ما في الصندوق لأضعها جميعا في كيس أسود في انتظار مرور عمّ علي الفلّاح الوحيد في قريتنا الّذي مازال لم ينقرض و له بغل و بقرة و نعجتان و بعض الدّجاج "العربي".

لم أفاجأ بما حصل لي فذاك ما تعوّدت عليه وفي الحقيقة لم يخدعني البائع فتلك بضاعته وانا الّذي لم اطلب تفسيرا أو توضيحا أو شقّها بسكين لاستبيان ما بداخلها وقد تكون اللهفة على بضاعته ذات الاسم الغريب المحمولة على عربة لم يعد لها وجود هروبا من غشّ كبار السماسرة والغشّاشين المحترفين.

والغريب أنّ " حبحب" انتشرت كما النّار في الهشيم لتصبح علاجا لجميع الأمراض بما فيها المستجدّة كالكورونا بل تستعمل لإزالة السّحر والتابعة وجلب المحبوب بل بعضهم ينصح بها كمادة مستثيرة لهرمونات الذّكورة والشّجاعة تمهيدا لتحرير القدس وفلسطين من الصهاينة الغاصبين.

وحبحب بالأمس وهي تسمية البطّيخ الأحمر لدى أهل الحجاز، قد تصبح جح جح بلهجة أهل نجد او يح يح بلهجة أهل ساحل عمّان المعروفة حاليا بالإمارات أو كوكومس بالعبرية و قد تصبح ميلون بلغة موليار و كلّ ذلك حسب مقتضيات الظّرف و ما تمليه الوقائع فكلّه بطّيخ، تلك النبتة الصّيفية المتسلّقة المنتمية لعائلة النبتات الوعائية من فصيلة القرعيّات و من جنس الحنظل.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات