محمّد شريف الفرجاني وقيس سعيّد وكارل شميت: حول فرضيّة "الثّورة المحافظة" على الطّريقة النّازيّة في تونس.

Photo

نشر الأستاذ الصّديق محمّد شريف الفرجاني يوم 26/11/2019 في 'الهوفيغتن بوسط - المغرب' مقالا بالفرنسيّة بعنوان "هل استلهم قيس سعيّد من المنظّر الدّستوري للثورة المحافظة كارل شميت؟" (1)أثار انتباهي بعد أن كنت حضرت له تقديما لكتابه "في اسلام الأمس و اليوم" في جامعة مونتريال ذكر فيه ( في التقديم ) أفكارا مشابهة ، وبعد توزيعه في المدّة الأخيرة في فايسبوك تدوينات و مقالات في نفس الغرض أدّت - على ما يبدو- الى كتابة المقال أعلاه الذي جعلني أبحث حول كارل شميت قليلا (2). والّذي أثار انتباهي في المقال هو خاصّة الجانب الباراديغمي والمنهجي الذي أدّى الى استنتاجات سياسيّة لا بدّ من نقاشها، ليس لقبولها أو لرفضها جملة وتفصيلا بل، للتفكير فيها من جديد من زوايا أخرى من ناحية، ولإعطاء الوقت للوقت لتقييم تجربة قيس سعيّد الغامضة قليلا الى حدّ الآن من ناحية ثانية. ويمكنني تلخيص ملاحظاتي المنهجيّة حول المقال في النّقاط التّالية:

1- فرضيّة للبحث أم مسلّمة للاثبات؟

لا يبدو لي المقال منطلقا من فرضيّة قابلة للدّحض أو للإثبات بعد البحث، بل من ما يشبه المسلّمة التي يبدو أن الأستاذ الفرجاني وصل اليها و يريد اثباتها و من ثمّة التحذير من نتائجها السّياسيّة على تونس. فمن يقرأ المقال لا يجد أيّة محاولة لتقصّي ما يمكن أن يفنّد الفرضيّة 'الثورية المحافظة' لقيس سعيّد. فالمقال خطّي و لا يناقش حججا معارضة للمسلّمة وأقصى ما يجده في الاجابة عن سؤال البحث أمرين:

أ-هل استلهم قيس سعيّد من كارل شميدت فعلا ؟ وان لم يكن قد قرأ له فذلك يعدّ تقصيرا حسب الدكتور الفرجاني ، اذ يرى انّه على قيس سعيّد كمختصّ في القانون الدستوري أن يكون مطّلعا على كتابات شميدت . وهنا شعرت بكون الدّكتور الفرجاني يعيد بشكل آخر اتّهامات للأستاذ قيس سعيّد غير المنتج أكاديميّا من ناحية . و من ناحية ثانية ، كأنّما يتمنّى أن يثبت لديه كون سعيّد قرأ لشميدت ليساعده ذلك في تأكيد فكرته لا غير. بل وحتّى ان ثبت العكس فذلك لا يدلّ سوى عن جهل سعيّد بمرجعيّة يصرّ الدكتور الفرجاني انّها هي مرجعيّة سعيّد حتّى لو جهلها أو أنكرها.

ب- رغم اقرار الدّكتور الفرجاني عديد المرّات بقلّة كلام سعيّد و قلّة كتابته و حداثة تجربته و انجازاته ،الاّ أنّه اكتفى بذلك على قلّته و قام بتقييم انطلاقا من استنتاجات اعتمدت الاستنتاج القائم على القياس من ناحية و انطلاقا من المقارنة مع سوابق تاريخية من ناحية ثانية (ألمانيا النّازية تحديدا و ليس حصرا) و مع ما يحصل تحت سماوات أخرى وفي عوالم ثقافية أخرى ( أمريكا المحافظة تحديدا وليس حصرا).و هنا شعرت كون الدّكتور الفرجاني استسهل الاستنباط –ممّا يعترف انّه قليل - ووجّه المقارنة عمدا مع ظواهر يريد عبرها اثبات ' فرضيّته ' بسهولة رغم حداثة الظاهرة - ظاهرة قيس سعيّد - و احتمال تعقّدها أكثر ممّا يسمح به مقال سريع و مختصر مثل هذا.

2- سوء اشتقاق ' الفرضيّات' من بعضها :

يقول الدّكتور الفرجاني انّه يبحث في مقاله عن فرضيّة امكان تمثيل قيس سعيّد لنزعة "ثوريّة محافظة" انطلاقا من بحثه العامّ في فرضيّة أن يكون الاسلام السياسي ' تعبيرة اسلاميّة' عن تلك النّزعة "الثّوريّة المحافظة" المعولمة بالتّوازي ولكن بالترابط السرّي مع عولمة الليبيرالية الجديدة. وهو بالتّالي كأنّه يصنّف قيس سعيّد منذ البداية ضمن تيّار الاسلام السياسي في تونس المسلمة.

انّ عملية اشتقاق فرضية تمثيل قيس سعيّد لنزعة ثورية محافظة من فرضيّة تمثيل الاسلام السياسي لتلك النزعة في العالم الاسلامي هي نفسها عمليّة تفترض بحثا و لا ينفع معها هنا مجرّد 'الاستنباط' الذي يبدو كأنّه تمّ عبر قياس بسيط غابت عنه أسئلة بحثيّة مهمّة منها : هل ينتمي قيس سعيّد فعلا الى تيّار الاسلام السياسي و هو الذي ترشّح في الدّور الأوّل للرئاسية ضدّ مرشحي الاسلام السياسي كلّهم؟ ولم لا يكون أقرب الى التيّار القومي العروبي مثلا؟ ولم لا يكون ممثّلا لتيّار جديد أصلا يتميّز بنوع من التلّصيق (الكولاّج) والتّرميق (البريكولاج) بين تيّارات فكريّة - سياسية تونسية وعربيّة –اسلاميّة مختلفة تجعله أقرب الى الوسط السياسي المحافظ - ولكن الجديد- منه الى اليمين المحافظ ليس فقط النّازي والفاشي بل وحتّى الاسلامي السياسي نفسه؟

هنا، مع الأسف، يبدو لنا الدّكتور الفرجاني قد حسم الأمر بسرعة شديدة. هذا ان صحّ أصلا اعتبار الاسلام السياسي - هكذا بعموميّة لا تميّز بين أشكاله المختلفة - ممثّلا للنزعة 'الثوريّة المحافظة' على الطريقة الفاشية والنّازيّة تحديدا.

3- في ضبابيّة معنى "الثوريّة المحافظة " :

يجمع الدّكتور الفرجاني بين 'ثوريّة' هتلر 'المحافظة' في ألمانيا وموسوليني في ايطاليا وريغن وبوش الأب والابن وترامب في الولايات المتّحدة وتاتشر في بريطانيا وبوتين في روسيا وأردوغان في تركيا ونارندا مودي في الهند …ويضيف إليهم قيس سعيّد في تونس على ما يبدو. وما يربط بين كلّ هؤلاء هو - عموما وباختصار مجحف وشديد - أساسا: 'الليبيرالية الجديدة' الممزوجة بما يسمّى 'ثورة محافظة ' ضدّ الديمقراطية القائمة على التعدّدية والبرلمانية وعلى الاعتراف بالحقوق والحريات الفردية والجماعية.

يمكن باختصار طرح تساؤلين هنا:

أ- ألا يجب التفريق بحزم نظري ومنهجي أكبر بين الفاشية والنازية بوصفهما "ثورتين " محافظتين عن باقي أشكال المحافظة "غير الثوريّة" هنا؟ أليس من التعميم المخلّ للمعرفة - بوصفها تقوم على التعريف والتصنيف والتحقيب مثلا – أن نضع هتلر وموسوليني 'الثّوريّين ' - بمعنى الجذريّين هنا - المحافظين - بما يعني انّها ثورة مضادّة - مع محافظين آخرين ليسوا 'ثوريّين' بمعنى التراجع الجذري المحافظ عن الموجود؟ ألا يؤدّي ذلك الى استسهال وصم الجميع بالفاشية والنازية في حين قد لا يكونوا كذلك فعلا بمقاييس فاشية ونازية هتلر وموسوليني تحديدا؟

ب- ألا يجب التفريق بحزم نظري ومنهجي أكبر أيضا بين أصناف المحافظة هنا؟ هل محافظة هتلر و موسوليني مثل محافظة بوتين أو أردوغان أو ترامب حتّى لو اتّفقنا بوجود شكل انتقالي بينها هو 'الأوردوليبيراليّة' ؟

هنا لا بدّ من التفريق الواضح بين "الثورية " و" المحافظة " الجذريتين على الطريقة الفاشية والنازية وبينهما عند غيرهما. وليس الأمر هنا مسألة هيّنة يمكن التّساهل معها لأنّها ليست مسألة درجة بل مسألة صنف من أصناف الحكم. فهتلر وموسوليني دمّرا تماما أيّ شكل من أشكال الديمقراطية الليبيرالية بمكوّنيها البرلماني والتعدّدي، ولكن هذا لم يوجد لا مع تاتشر ولا ريغن ولابوش وترامب ولا أردوغان، الخ. انّ الديمقراطية الليبيرالية ببعدها التعدّدي - البرلماني وببعد اعلانها الاعتراف بالحقوق الفردية والجماعية لم تنقرضا في روسيا بوتين ولا في تركيا أردوغان ولا في هند مودي…ولا في تونس سعيّد…بعد رغم التّهديدات المحافظة هنا وهناك.

4- في الخلط بين ' الثورية المحافظة' لليمين و' الثورية غير المحافظة ' لليسار :

استعمل الدّكتور الفرجاني مصطلح 'الثورة المحافظة' كما استعمل غيره مصطلح 'الطوطاليتاريّة' دفاعا عن الدّيمقراطية الليبيرالية التعدّدية والبرلمانية مع ضرورة الرّبط بين 'المسألة الاجتماعية ومسألتي المساواة والحرّيات' كما كتب ذلك في آخر فقرة من مقاله. والاشكال هنا – وهو ينطبق على كامل المقال:

لماذا لم يظهر في المقال أي نقد لا للرأسماليّة ولا للديمقراطية الليبيرالية وتمّ الاكتفاء بنقد الليبيرالية الجديدة – اقتصاديّا- والثورة المحافظة - سياسيا - لا غير؟

هل الرأسمالية- ولكن الليبيرالية القديمة وليس الليبيرالية الجديدة - والديمقراطيّة - ولكن التمثيلية البرلمانية وليس المباشرة- هما نهاية التاريخ ولا يستحقّان نقدا؟

عند الوصول الى هنا نعود الى أهمّ أجزاء المقال التي تعرض أفكار كارل شميدت لنسأل: تنقسم أفكار شميدت الى جزء فيه نقد والى جزء آخر فيه بديل للموجود كما هو حال كلّ الأفكار السياسية الكبرى. ومن يقرأ كلّ ما كتبه الدّكتور الفرجاني عن انتقادات شميدت للرأسمالية والديمقراطية الليبيرالية يمكن أن يجده - أو يجد مثله أو ما يزيد عليه ولكن من منطلق آخر- عند عموم اليساريين الشيوعيين والفوضويين والمجالسيين وبعضه حتى عند اشتراكيين ديمقراطيين بل وديمقراطيين ليبيراليين ولكن غير تمثيليين على مذهب مونتسكيو بل مباشرين على مذهب جان جاك روسّو.

ولكن في الجزء المتعلّق بالبديل على مساوئ الوضع القائم يختلف النّقد من اليمين عن النّقد من اليسار وان تشابها في بعض النّقاط. يجب اذن توضيح هذا حتّى لا نخلط بين رافعي شعار أولويّة المطالب الاقتصادية والاجتماعية من اليمين واليسار. ومع الأسف أهمل كاتب المقال هذا الأمر تماما بحيث وضع الجميع في سلّة واحدة وظهر، وهو اليساري الأنسني الكوني الجديد، وكأنّه كاتب ليبيرالي صرف يدافع عن الديمقراطية البرلمانية التمثيلية وعن الليبيرالية الاقتصادية مكتفيا بإطلاق النار على اليمين المحافظ و اليسار الرّاديكالي …رغم وجود نقاط شبه فعليّة عند بعضهم: نظام الحزب الواحد وغيره.

من ناحية ثانية، لم ينتبه الدّكتور الفرجاني لأمر قد يكون هامّا: ذكر كون من ساند قيس سعيّد ينتمون الى كل القوى من اليمين الى اليسار. ولكنّه استنتج من ذلك كون المسنود يمينيّ بالضّرورة بناء على نقاط متفرّقة هي خليط قد يكون أقرب الى الوسط السياسي منه الى اليمين لو جمعت جميعها في خطاطة برنامج. بل وراح يقارن اليساريين الذين ساندوا قيس سعيّد انتخابيا بيساريين ساندوا تجارب فاشية مثلا، مع أن من ساند سعيّد في تونس قام بذلك انتخابيا لا غير من باب 'تصويت مفيد' ضدّ خصم هو أقرب الى ' الليبيرالية الجديدة ' اقتصاديّا ولا تعرف له مواقف مشرّفة لا في مسألة التعدّدية ولا في مسألة المساواة العزيزتين على الكاتب، ناهيك عن فساده المالي والاعلامي وغيره. ونصل هنا الى توضيح بعض المسائل الأخرى ونربطها ببعض 'أطروحات' - هي شعارات لا غير الى حدّ الآن- قيس سعيّد.

5-القومية الظالمة و القومية المظلومة :

يربط الدّكتور الفرجاني ربطا عامّا وآاليّا بين النّزعة القوميّة والنزعة 'الثورية المحافظة' في حين انّه يجب التمييز بين النزعة القومية في الأمم المتقدّمة رأسماليّا (الاستعمارية والامبريالية) كما هو حال ألمانيا ا لنازية وايطاليا الفاشية واليابان الامبراطوري …وفي الأمم المتخلّفة (المستعمرة والتابعة والمجزّأة) كما هو حال العرب. والنّزعة القومية العربية لا تدخل بالضرورة في برنامج "الثورة المحافظة" الا بشروط، بل هي ثورية تقدّمية تنجز مهمة التوحيد القومي لأمّة مجزّأة ومستعمرة وتابعة رغم كونها قد تمارس ممارسات شوفينية كما حصل مثلا في المشرق العربي ضدّ الأكراد وفي المغرب العربي ضدّ الأمازيغ وفي الجنوب العربي ضدّ السّود الأفارقة.

فأن يكون قيس سعيّد تونسيّا عروبيّا الآن هو أمر لا يجعله ينتمي بالضّرورة الى نفس النزعة التي انتمى اليها هتلر أمس في ألمانيا أو تنتمي اليها مارين لوبان اليوم في فرنسا. ولو كان الأمر كذلك لاعتبر بسمارك وغاريبالدي محافظين بل ورجعيين من الثورة المضادّة.

ومن الغريب لباحث يساري الهوى أن يربط في مقاله بين اعتبار قيس سعيّد "قوميا محافظا" وبين نقد الأخير "لكلّ حكّام تونس السابقين بسبب ارتباط حكوماتهم بالغرب ومطالبته بوضع حدّ للهيمنة." وكأنّ النّزعة الوطنية والقوميّة في هذه الحالة تصبح 'محافظة' بينما التبعيّة تصبح حداثيّة اصلاحية أو تقدّمية.

6-المحافظة السياسية و المحافظة الاجتماعية والثقافيّة :

هنالك محافظة ومحافظة عند قيس سعيّد. فعندما يدافع عن دور الدّولة الاجتماعي بوصفها رافعة اقتصادية وضمانة اجتماعية، فهو هنا يريد المحافظة على مكاسب دولة الاستقلال و مكاسب أجيال من الشعب التونسي في الخدمات الاقتصادية و الاجتماعية و لا علاقة لهذا بتيّار المحافظين الجدد في أمريكا مثلا و غيرهم من الليبيراليين الجدد في العالم الذين،على العكس، يريدون تنصّل الدّولة من مهامّها الاقتصادية و الاجتماعية.

كما لا علاقة لهذا بالتّصوّر النّازي والفاشي بالضّرورة لأنّ قوّة الدّولة الاقتصادية والاجتماعية هي ظاهرة يمكن أن تصاحب كل الأنماط الاقتصادية وأن تغيب فيها في نفس الوقت حسب المرحلة. كما أنّ التّأميمات مثلا يمكن أن تكون رأسمالية ويمكن أن تكون اشتراكية ويمكن أن تكون فاشيّة ويمكن أن تكون ديمقراطية ليبيرالية يعود اليها أعتى الليبيراليين أنفسهم، حسب ما يمرّ به المجتمع.

المهمّ هنا هو تجنّب التعميمات التي كأنّها تربط بسهم مباشر بين 'الدّولة القويّة' و 'الثورة المحافظة' بالضرورة. يمكن أن تكون الدولة قوية في نظام تقدّمي ويمكن أن تكون ضعيفة في نظام رجعي تماما. وهنا نعيد التذكير كونه يوجد فرق مثلا بين تصوّر هتلر للدولة وتصوّر المحافظين الجدد للدّولة ولكن على أساس رأسمالي في الحالتين.

كما أنّ المحافظة الاجتماعية والثقافية لا ترتبط بالضرورة بنزعة "الثورة المحافظة".

فمن ناحية أولى سيختلف الأمر في بلد مستعمر أو تابع يخضع لتدمير بناه الاجتماعية والثقافية عن بلد استعماري/امبريالي يمارس التفكيك الاجتماعي والغزو الثقافي ضدّ غيره مثلا. ومن ناحية ثانية لأنّه ليست كلّ محافظة جزئيّة بالضرورة جزءا من برنامج متكامل "لثورة محافظة" على جميع الأصعدة. انّ عبد القادر الجزائري وعمر المختار وأمين الحسيني وجبهة التحرير في الجزائر وعبد الناصر وبومدين والقذّافي كانوا محافظين جزئيّا في جوانب من برامجهم. ولكنّهم كانوا وطنيين وتقدّميين عموما في وقتهم ولم يكونوا على أيّة حال من تيّار "الثورة المحافظة" بمعناها الفاشي /النّازي.

هنا لا بدّ من تنسيب الأمور و تدقيقها ولا يجب اعتماد تصريحات ومواقف ونسيان أخرى حتّى في نفس الموضوع كأن نذكر موقفا له من الشريعة –في خصوص مسألة الميراث- و نتناسى محاضرته التي تحمل عنوان 'دينها الاسلام' التي يعتبر فيها عبارة ' الاسلام دينها' الدستورية صنيعا استعماريّا.أو كأن نذكر مواقف متناقلة عنه حول الارهابيين و نتناسى كيف قال عنهم في 'خطاب القسم' انّهم سيتلقّون وابلا من الرّصاص لا حدّ له و لا عدد . وان كان قيس سعيّد محافظا في نقاط - يجب نقده فيها - فذلك قد لا يعني أن محافظته الجزئية تلك هي جزء من 'محافظة ثورية' نسقيّة وعامّة بالضّرورة. لا بدّ من دراسة باقي الجوانب والوعي - كما سبق وذكرنا - بنزعتي الكولاّج والبريكولاج البرنامجيّتين لتقييم المشروع في عموميّته.

7- التعدّدية الوطنية و التعدّديّة التابعة و الديمقراطية البرلمانية و الديمقراطية المباشرة :

في معرض انتقاداته لبعض أفكار قيس سعيّد للأحزاب السياسية والجمعيّات (وخاصّة جمعيّات المثليين جنسيّا) يركّز الدّكتور الفرجاني على حقّ بخصوص مبدأ التعدّديّة والحقوق الفرديّة والجماعيّة. ولكنّه، من ناحية، لا يميّز بين موقف قيس سعيّد الفكري-السياسي الشخصي من الأحزاب وبين استعداده لمنع التعدّدية الحزبية في تونس في حين أنّ الأمرين مختلفان. كما يبدو وكأنّه يرفض تماما الحديث عن التأثير الفعلي الأوروبي - و لكنّه ربّما لن يرفض الحديث عن التأثير التركي و القطري مثلا- في تمويل الأحزاب و تكوين الجمعيّات و مراكز البحث و شراء ذمم الأكاديميين و الصحفيّين،الخ. وهنا لا بدّ من الانتباه الى كون الدّفاع عن الحقوق والحرّيات الكونيّة لا يتمّ الآن في عالم مثالي بل في عالم تسيطر عليه الدّول المتقدّمة وتتنازعه المحاورالدّوليّة والاقليميّة التي تستعمل التدخّل المالي والبشري حتى في حياة الأحزاب والجمعيّات. والمهمّ هنا ليس رفض التعدّديّة بحجّة كونها مخترقة بل التمييز بين التعدّدية الوطنية والتعدّدية التّابعة أملا في سيادة تعدّدية أنسنيّة في كلّ مجتمعات العالم.

كما أنّ تجريم نقد قيس سعيّد للبرلمانية ووصمه آليّا بالنزعة 'الثوريّة المحافظة' لا يستقيم الا بإضافة شروط أخرى عديدة. اذ حتّى في أكثر الدّول ديمقراطية برلمانية هنالك أصوات - يسارية في الغالب - تطالب بالديمقراطية المباشرة والغاء الحصانة وحق سحب الثقة من النوّاب - الذين يصبحون مندوبين أو مفوّضين- و تحجيم امتيازاتهم المالية (في شمال أروبا الاسكندنافية يعتبر هذا تقليدا)، الخ. ومن الغريب مثلا أنّ أحد أساتذة الفلسفة في تونس كان، في معرض انتقاده لقيس سعيّد أيضا، اعتبر أنّ الديمقراطية المباشرة هي 'محافظة' و 'يوطوبيا' يونانية قديمة في حين أنّ مفكرين و ناشطين أروبيين و عالميين يعتبرون أن الأنترنيت و باقي التكنولوجيات الحديثة يمكنها مثلا أن تحوّل مسألة تطبيق الديمقراطية المباشرة الى بديهة بفضل تطبيقات في الاعلاميّة بسيطة يقع تسجيلها في الهاتف الذكيّ أو الحاسوب ممّا يفتح أفقا جديدا في تثوير التمثيل الشعبي و يسهّل تقنية الاستشارة الوطنية و الاستفتاء،الخ.

خاتمة: هل من حقّنا أن نخاف على تونس من قيس سعيّد؟

نعم - وأضيف أنّه من حقّنا الخوف منه (ولكن ليس لأنّه يشبه 'الفوهرر' الألماني تقريبا كما كاد يكتب الدّكتور الفرجاني) وعليه في نفس الوقت، وذلك بسبب كلّ ما ذكره الدّكتور الفرجاني من معطيات جزئيّة وبسبب الغموض والصّمت وبسبب بعض من يحيطون بالدّكتور قيس سعيّد وبسبب المحيط الدّولي، الخ.

أكثر من ذلك: انّ المقالات المبالغة في التحذير نفسها - ولو كانت لها صبغة تشاؤمية وكوارثيّة - تلعب دورا ايجابيّا في الوقاية من احتمالات الانزلاق يمينا لمشروع غامض حتى لو اعتبرناه أقرب الى الوسط السياسي منه الى اليمين الى حدّ الآن.

انّ ما ننقده هنا ليس الخوف على تونس والنيّة الحسنة في حمايتها بل المنظور المعرفي والمنهجي والسياسي الذي يقع النّقد انطلاقا منه، والذي نراه يجانب الهدوء المعرفي من ناحية وقد يدفع المعنيين بالأمر الى الاحساس بالانحشار في الزاوية بحيث يذهبون الى اليمين الذي بطبيعته يريد تلقّفهم واستغلالهم وقتها كأدوات سياسية ' ثوريّة محافظة ' فعلا من ناحية ثانية.

وإذا كان الأمر قد وصل بالدّكتور الفرجاني، عبر القياس، الى حدّ المقارنة بين الأستاذ الصديق بكّار غريب وبين ارنست نيكيش، والمقارنة بين من صوّت لقيس سعيّد من اليساريين التّونسيّين -' تصويتا مفيدا' لا غير- وبين اليساريين الذين انهزموا أمام خطابات موسوليني وهتلر، فكيف سيكون الحال مع من يلتقي معه في التفكير والممارسة السياسيّين وكيف سيكون حال الملايين ممّن يناصرونه من الشباب خاصّة؟

وأخيرا، لا بدّ من كلمة شخصيّة بعض الشّيء.

لعلّني اقترفت بهذا المقال نفس ما انتقدت الدّكتور شريف الفرجاني لأجله بسبب ما قام به تجاه قيس سعيّد ومن سانده من الباحثين ومن النّاشطين: المبالغة في الحكم على مقال قصير والذّهاب في تأويله أكثر ممّا يحتمل معرفيّا وسياسيّا.

ولعلّ الحقيقة والحقّ يوجدان في مكان ثالث آخر أصلا أفلت منّا بسبب خوف كلينا على البلد ونحن نعيش في المهجر وبسبب حداثة الظاهرة وتعقّدها بما يحتّم 'الانتظار التحليلي' - دون انتظاريّة - للقيام بتحليل يعتمد التفكير المركّب والحكم السياسي الأكثر اتّزانا. ألم يذكر الدّكتور الفرجاني أنّ كارل شميت نفسه كان يمتدح الشيوعية والنقابات العمالية والفاشية معا في البداية ثم حصلت عنده عمليّة تحوّل 'ميتامورفوز' لاحقة باتّجاه النّازيّة فدخل الحزب النازي سنة 1933 ولكنّه طرد منه بعد ذلك سنة 1936؟

حسبي اذن أنّ القرابة المعرفيّة والسّياسية والصّداقة الشخصيّة بيننا ستشفع لي خطئي ان أنا جانبت الصّواب.

وأملي أن يساعد هذا الذي اقترفته في خدمة المعرفة والسّياسة وفي حماية تونس - التي نحبّها جميعا كلّ على طريقته - من مطبّات ' انتقالها الدّيمقراطي ' المفتوحة على كلّ الاحتمالات.

1- رابط مقال الدكتور محمّد شريف الفرجاني :

https://www.huffpostmaghreb.com/entry/kais-saied-est-il-inspire-par-le-constitutionnaliste-theoricien-de-la-revolution-conservatrice-carl-schmitt_mg

2- رابط لمقال مفصّل من ويكيبيديا حول كارل شميت:

https://fr.wikipedia.org/wiki/Carl_Schmitt

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات