اللحظات الأخيرة لمعركة فصل الثورة عن الدولة..

Photo

عندما فازت هيئة 18 أكتوبر بأول انتخابات حرة وشفافة في تاريخ تونس، كانت منظومة التسلط على قناعة بأنها انتهت الى الأبد، وان النهضة والمؤتمر والتكتل والديمقراطي التقدمي والعمال وبقية المكون، سيفتتحون عصر ما بعد أدوات القمع الشمولي التي جثمت على البلاد طيلة عقود، كانت الطريق سالكة بفضل فطرة الشعب النقية التي مازالت حينها لم تخضع لحمم الإعلام الملوث، حينها منحت ثورة 17 ديسمبر الأغلبية لهيئة أكتوبر وللمعارضة التاريخية الجادة،

كان جل أبناء السيستام يتطلعون إلى العفو ويذكّرون الثورة المنتصرة بقصة الطلقاء عند فتح مكة. لكن سرعان ما تراجعت منظومة بن علي عن طلب الصفح وخيرت الركون الى الفرجة بعدما ظهرت بوادر انشقاق في المعارضة التاريخية! كشر اليسار عن أنيابه وتهامس مع القوميين ، ثم سرعان ما أطلق الجميع صيحة الفزع و استجاروا بالتجمع المنهار، واحتشدوا وحشّدوا بعد ان قرروا إعلان الحرب على الترويكا! على روح 18 اكتوبر!!

منذ ذلك التاريخ قاد بعض 18 أكتوبر المعركة ضد البعض الآخر من 18 اكتوبر، قتلهم الغيرة وانهكهم الحسد فأرادوا استعمال التجمع وبعض الخشب الأيديولوجي لإسقاط رفاق الأمس، فكان ان استعملهم التجمع بأشكال مذلة، عبّد بهم طريق عودته إلى سلطة انتزعها الشهداء بدمائهم الزكية، كانت تلك نتيجة حتمية للحسد حين يلتئم شمله على الكراهية وعلى فكر المستنقعات الآسنة. عاد التجمع ينافس أشراف 18 أكتوبر وتخلى عن مشاريع النجاة بجلده واصبح يطلب جلد الثورة و الثوار!

واليوم وبعد 8 سنوات من تاريخ الخيانة الموصوفة.. يعيش نجيب الشابي حالة من التسكع السياسي الباعث على الشفقة، يكافح من أجل نهاية شبه مشرفة لمسيرة طويلة بددتها الغيرة وسحقها الحسد، فيما كل المؤشرات تؤكد ان حمة الهمامي ومنجي الرحوي وعبيد البريكي وناجي جلول ومحسن مرزوق، لن يصل كل حصادهم في الرئاسية الى حصاد صبية بن علي عبير موسي!!! لم تكن سقطتهم هينة، بل مدوية..مدوية جدا..

لقد دفعوا ضريبة الغيرة من رفاق 18 اكتوبر، فتحولوا الى 7 نوفمبر بلا سلطة.. بلا جاه..7 نوفمبر بطعم صبايحي..خسروا رصيدهم واصابوا الثورة في مقتل، وأرادوا شطب النهضة من الساحة فظلت وظل التجمع واختفوا هم خلف هضاب الفشل.. انه لمن صنوف العار أن تتحول وظيفة الحمق الأيديولوجي وانفلونزا الغيرة إلى اعادة بعث التجمع ثم الانصراف الى معاقرة الخيبة.

نجت الثورة من عملية الاغتيال الجبانة التي استهدفتها سنة 2013 ، لكنها خرجت بجروح بالغة مازالت تداعياتها الى اليوم، ثم إن الأيادي التي دبرت عملية الإغتيال ، نالت بأشكال كبيرة من الحركة التي أسندت وتسند الانتقال الديمقراطي، لكنها فشلت في اغتيالها، شُلت الايادي وواصلت الحركة مسيرتها مثخنة متعثرة..

تلك قصة 2012، وبعد سنوات من التماسك، يبدو ان ما تبقى من 18 اكتوبر ومن الثورة، بصدد القيام بحماقات خطيرة، لم يكتفوا بتعويم الترشحات وانما شرعوا في نهش الحزب الوحيد الذي يحمل مواصفات الحزب في ساحة سياسية بلا أحزاب جدية، وكأني بنجيب الشابي آخر وحمة همامي آخر وسمير طيب آخر، يسعون الى ترقية التجمع من مرتبة شريك الى صاحب البيت، يبدو انهم يمهدون له الطريق ليعود سنة 2020 كما ولدته الدبابة يوم 7 نوفمبر 1987…

يبدو ان مهمة تصفية النهضة اوكلت الى ابناء الثورة، ويبدو أننا سندخل باحة 2020 بلا قوى ثورية موحدة او متناسقة أو متناغمة أو متقاربة أو حتى متجنبة للخصام والصدام، تبدو قاطرة الثورة التي فقدت بعض قطعها سنة 2012 وفقدت أخرى 2014، يبدو انها تتفكك تماما.. يبدو ان ذلك حدث مساء الجمعة، إلى ليلة انتخابات المهجر في يومها الأول، يبدو أننا مقبلون على شعار حزبك ثم حزبك ثم حزبك.. لا شيء غير استنفار القواعد وترميم الجسم من الداخل، يبدو انه وبعد عملية النهش الممنهج، تأكد أنه ما حك جلدك مثل ظفرك، يبدو أنهم قرروا اطلاق النار على مورو ليتسنى لهم المشاركة من أجل المشاركة، يبدو أنهم يستنزفزنه إلى آخر الدقائق، لمنعه من العبور، يعطلونه على النصر من أجل تحسين مشاركتهم من أجل المشاركة!!!

يبدو أننا نحتاج الى معجزة لدخول سنة 2020 بـــ"قوى الثورة"...يبدو اننا سنكتشف بشكل متأخر ان اعلام العار، تدخل مساء الأربعاء ومساء الخميس لتقسيم الهزيمة بالتساوي بين أبناء الثورة، ينفخ هنا ويطفئ هناك.. يبدو مرشح النهضة يتعرض الى معارك استنزاف من داخل الرحم الثوري، ومعارك تشويه من خارج الرحم الثوري، ويبدو ان الحركة وإذا ما تمكنت من تصعيد رجلها وسط كل هذا التكسير المزدوج الممنهج، ستخرج اقوى بكثير وستمضي بعيدا كما الثورة وكما الانتقال الديمقراطي..

اذا لم ينفرد الازلام بالدولة سنة 2020 وكسرت النهضة خطة الاحتكار، فإنهم لن ينفردوا بها بعد ذلك حتى يلج الجمل في سم الخياط.. انّه فيما كُتب.. كتب على النهضة ان تخوض معركة البقاء على الجبهة الرئاسية كما الجبهة التشريعية.. تدرك النهضة انهم يسعون الى القاتلة! الى القاضية! يسعون إلى فصل الثورة عن الدولة، كما تدرك أنه يتحتم عليها ملاحقتهم ومشاركتهم غرف التخطيط! تجلس معهم على الطاولة لتسمع وتمنع…

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات