فلْتعلمي أيتها الوزيرة أنّ الأمر جللٌ…

Photo

تابعتُ ما قالته وزيرة المرأة على القناة الوطنية-1 بخصوص الكارثة التي حلّت اليوم بالبلاد بفقدان نساء يمثّلن العُمق الحقيقي للمجتمع التونسي، يُمثلن المكابدة والاستمرارية والنضال-كما وصّف المسعدي "المأساة"، لا تعنيهنّ الثنائيات الايديولوجية ولا السّير الذاتية، يصارعن القدرَ ويعشن من أجل الآخر ولا ينتظرن جزاءً ولا شكورا. واقتنعتُ أنّ عدم فهم جوهر المشكل وأبعاده المتعددة يُعدُّ مصيبةً في حدّ ذاته.

تحدّثتْ الوزيرة على الكارثة من منطلق إجرائي، جُزئي بسيط يُحاكي السّطحية. فتراها تتبرأُ ممّا وقع، وفي بعض الاحيان تضخّم ما قامت به وزارتُها من أنشطة خارج الموضوع، وفي بعض الاحيان الاخرى تُقلّص من حجم الكارثة بأنّ عملهنّ موسمي، وتُجزّؤها الى عناصر أغلبها "خارج مجال مسؤوليتها" وكأنّها في ندوة فكرية في دار لصرم. ثمّ تنتهي الى قرارات بتجميع كل المعطيات الاجتماعية حول النساء العاملات…

فلْتعلمي أيتها الوزيرة أنّ الأمر جللٌ، يختزل تركيبة ثنائية لــ"المكان" بما يحتويه من أبعاد اقتصادية واجتماعية، تعود أصولها الى نحو قرن من الزمن، حيث توالت الانتهاكات من البايات ومنشور 1874، الذي يمنع "الخماسة" من الاكتساب والتجوّل عبر "المكان" إذا أراد الحفاظ على انتمائه الطبقي، مرورا بالهجرات الداخلية التي أفقرت ذلك "المكان" من ثرواته البشرية والماليّة التي كانت تُستثمر بالضرورة خارج "المكان"، لفائدة المناطق الساحلية، وانتهاءً باختيارات اقتصادية ينقصها الطموح والمقارنات العالمية.

فبات الاقتصاد والاجتماع أعرجيْن في ظل نخب سياسية أفقدت في مُجملها لـ"لدولنة" (Stateness) معانيها خلال الثلاثين عاما الأخيرة. فأصبح الدور الأساسي لجزء من المجتمع اعادةَ توالد نمط انتاجه حتى لا يشحذ، وفي ذلك عين الكرامة وعين العقلانية.

كان من الافضل الاعتراف بانّ الاستجابة الى ضرورة تقليص الفوارق "المكانية" ليس من اولويات الحكومة، وأنّ مفهوم حرية المرأة تمّ التعسف عليه من قبل نُخبة السلطة المثقفة، وأن هناك بوّنًا بين أغلب تطلعات الناس وأغلب تطلعات النخب السياسية... وأنه اذا استمر الحال على ما هو عليه، فان كارثة اليوم ستكرر....

فجوهر القضية ايتها الوزيرة ليس "النساء العاملات" ولا " صندوق النساء العاملات"، ولا" المُخصّصات من الميزانية" التي تكرّمت الحكومةُ بتحويلها للعائلات المعوزة. القضية هي عدم فهم الوزير انه حين يتحدث، انما يمثل سياسة حكومته برمّتها.

القضية هي أنّ السبب الرئيسي للإطاحة بالنظام عام 2011 هو التفاوت "المكاني" من حيث الشروط المادية التي تمكّن من إعادة نمط الإنتاج الاجتماعي واستقراره. القضية هي أن محاربة الفقر في أبعاده المتعددة تعني إرساء الحرية-كما وصّفه أ. سان الحائز على جائزة نوبل. القضية هي انّ هذه المُفردات لا تتلاءم مع خطاب لا يرتقي الى مستوى الحدث.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات