في مديح البذاءة اللغوية !

(تعقيب آخر على هامش النقاش حول 'الشخصية التونسية. )

يمكن تقديم شبكة عامة مختصرة قد تساعد على مقاربة مركّبة لمسألة البذاءة اللغوية كما يلي:

1-

البذاءة اللغوية هي نقيض لاأخلاقي ظاهريا لما يسمى'اللياقة' اللغوية معجميا و تركيبيا .

2-

البذاءة اللغوية ظاهرة موجودة في كل اللغات و الثقافات وبالتالي في كل المجتمعات ولو بحدود متفاوتة والتفاعل البذيء بين اللغات والثقافات ظاهرة عامة .

3-

داخل نفس المجتمع توجد البذاءة اللغوية في صفوف كل الطبقات و الجماعات (الجنس،العمر، المهنة ...)والمجموعات (العائلة،مجموعات الأصدقاء،مجموعات العمل...) وبالتالي في كل اللهجات المحلية الكبرى والخاصة الصغرى ولو بحدود متفاوتة

4-

البحث في بذاءة اللغة عند مجتمع بعينه أو فئة بعينها منه هو بحث مشروع و لكن لا يعني تميزه بها عن غيره الا بالمعنى النسبي أعلاه ويكون ذلك التميز كميا (يفترض احصائيات معجمية وتركيبية مثلا) أو شكليا (طريقة التعبير البذئ تختلف بين اللغات و اللهجات).

5-

الخطأ الأكبر الأوّل الذي يقترف عند بحث البذاءة اللغوية هو وصم مجتمعات بعينها أو فئات بعينها بها دون غيرها ،وهذا يمارس ضدّ المجتمعات و الفئات الفقيرة والمهمشة عادة ويتجاهل هذا الخطأ وجود البذاءة عند المجتمعات والطبقات و الفئات "الراقية"

6-

الخطأ الأكبر الثاني الناتج عن الأوّل هو دراسة البذاءة اللغوية وكأنها طبيعة لغوية نفسية-ثقافية جوهرية وأزلية عند الموصومين بها في حين أنها ممارسة اجتماعية-تاريخية مشروطة ومتحولة .

7-

الخطأ الأكبر الثالث يكمن في عدم الانتباه الى كون البذاءة اللغوية هي "استراتيجيا لغوية" -وبالتالي اجتماعية عامة- في مواجهة استراتيجيا لغوية مقابلة ضمن اطار الصراع الرمزي على اللغة بين المجتمعات/الشعوب وداخلها بين الطبقات والفئات والجهات…

8-

البذاءة اللغوية هي اذن استراتيجيا لمواجهة اللياقة اللغوية وأصحابها من مستعملي رأس المال اللغوي اللائق من أجل الهيمنة المادية ( العضلية أو الاقتصادية...) أو الرمزية ( النفسية والدينية والأخلاقية و الحقوقية ...)

9-

في الأنتروبولوجيا اللغوية يمكن القول أن البذاءة اللغوية هي أحيانا أصل لغات معينة.فاللغات ذات الأصل اللاتيني مثلا (الفرنسية والايطالية ...) كان ينظر اليها ، ولو جزئيّا، على أنها لهجات شعبية بذيئة وغير لائقة مقارنة باللاتينية الأمّ .وفي اللسانيات (المعجمية والتركيبية) يرى اللسانيون المنفتحون ان اللغة الشعبية البذيئة هي واحدة من مصادر تطوير اللغة العالمة اللائقة . وفي الأنتروبولوجيا عموما يمكن اضافة ما يلي:

10-

في مسالة العنف: البذاءة اللغوية هي عنف لفظي، ولكنها في نفس الوقت وسيلة لتجنب العنف الجسدي 'تماما' كما يكون القربان (ذبح كبش) وسيلة لتجنب عنف أكبر (ذبح الابن).

11-

في مسألة المقدّس: البذاءة اللغوية هي مدّنّس لغوي -ديني، ولكنها في نفس الوقت وسيلة للتخفيف من وطأة اللغة المقدّسة و المقدّس نفسه وجعلهما محتملين عند عامة الناس في العالم

12-

في مسألة الحقيقة: البذاءة اللغوية هي طريقة لغوية لقول نوع من الحقيقة في مواجهة نوع آخر يكون متعالما -لائقا. وهي بالتالي صراع لغوي حول الحقائق، واستعمالاتها اللغوية والمعرفية والاجتماعية.

13-

البذاءة اللغوية هي مسألة أنطولوجية داخلية : هي تعبير لغوي صارخ لأصحابها عن وجودهم ضدّ هيمنة وجودية للمتعالمين-اللائقين لغويا في المجتمع.

14-

البذاءة اللغوية هي مسألة أنطولوجية خارجية ايضا: هي تعبير صارخ لأصحابها عن وجودهم ضدّ هيمنة وجودية للمتعالمين-اللائقين و البذيئين الأجانب أثناء الاستعمار.

15-

والبذاءة اللغوية هي مسألة ايتيقية واستيتيقية أيضا : هي صراخ لغوي ضد نموذجي الأخلاق و الجمال السائدين عندما يتمسكان بلياقة لغوية -أخلاقية- جمالية تسلّطية سواء كانت قومية، أو عنصرية أو طبقية أو جنسية أو جهوية… وسواء كانت اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية أو ثقافية .

خاتمة:

البذاءة اللغوية ليست بذيئة الا لأنّ الحياة نفسها بذيئة وهذا للتفسير وليس للتبرير. انها وسيلة الأفراد و المجتمعات لمقاومة اللياقة اللغوية المسيطرة من خلال لغة تمكن من الصمود النفسي -اللغوي -الثقافي و من التعبير عن الرفض اللغوي الذكي -بطريقته - و اللاذع لتلك السيطرة . وان المهمة الأولى للحريصين على لياقة اللسان من منطلق لغوي، أو ديني أو أخلاقي أو غيره هي جعل الحياة نفسها غير بذيئة حتى لا يضطر الناس لقولها بلغة بذيئة . وعندما يحصل ذلك لن يبقى من بذاءة اللسان سوى ما يكون مجالا للمزاح لا أكثر و لا اقلّ.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات