من حقي أن أعرف، لو كان لدي الوقت،

ولو لمرة، لنتخلص من توظيف الصحافة في العراك السياسي البذيء ونسأل عما إذا كان لدينا زملاء قادرون على الإجابة على السؤال الوطني الحقيقي: "من يقف حقا وراء شبكات التسفير الجهادية"، وهو عمل تختص به صحافة الاستقصاء التي لدينا فيها 1500 مدرب لم يمارس منهم أحد عملا ميدانيا وأتوقع أن يفشل 90% منهم في امتحان التحرير بأية لغة شاؤوا وفيهم و10 صحفيين ميدانيين فقط،

لأن الصمت الإعلامي بعد صدور الحكم فرضية تآمر تستحق الاستقصاء، لو كان لدي الوقت، لثنيت الركبة وجمعت مئات الوثائق في ملف القضية من قرار دائرة الاتهام وملفات البحث ولانطلقت في إعداد مجسم لشبكات التسفير وارتباطاتها المحلية والدولية: في بداياتها ونشوئها وطرق عملها، لبحثت أولا عن أطراف الشبكة في تونس ثم خارجها لرسم ملامحهم وملامح الذين انتدبوهم وطرق الانتداب وخطابه وأماكنه وتوفر عنصر المال فيه، سأصنع مادة أولية تشغل علماء الاجتماع والسياسة لسنوات لتفادي الأسوأ في المعارك الخاطئة في هذا الوطن المفتوح على كل الخسارات،

من الشرعي أن أنطلق في عملي من فرضية تورط شخصيات من النهضة أو التيارات الدينية في هذه الشبكات، لن أكتفي بالحكم الذي لم يتضمن أية إدانة ضد أي شخص معروف من النهضة، بل سأفتح فرضيات الاستقصاء إلى أقصاها غير المتوقع: أيضا الدولة العميقة بما فيها من لوبيات وتحالفات دولية، أعوان الدولة أنفسهم، سماسرة الهجرة الدولية السرية إذا ما ضاعفوا لهم الأجر عن الرأس في إطار تدمير الدول والثورات، وهذه أيضا فرضية قائمة،

سأضع هذه الشبكة الغامضة المثيرة للذهول في الضوء في إطار شبكات القتال المأجور في العالم العربي في الأعوام العشرة الأخيرة، بدءا بمن ذهب إلى القتال وهو يعلم ذلك وصولا إلى شباب من إفريقيا السوداء، ذهبوا إلى الخليج بعقود عمل مدنية، فوجدوا أنفسهم مقاتلين رغما عنهم في ليبيا واليمن، ومات كثير منهم بلا هوية، إنما من حقي أن أعرف، ومن حق الناس أن تعرف، لماذا انطفأ الحديث في تونس عن شبكات التسفير الجهادية فعلا؟ أليست هذه بداية الاستقصاء؟

ليست مقابلة كرة قدم:

عنوان صحفي مزعج جدا: "غدا الجمعة، التيار الشعبي يدعو أنصاره إلى الحضور بكثافة أمام المحكمة بمناسبة محاكمة قتلة الشهيد البراهمي"، يعني "أنصارك" لهم الصفة لتقديم مرافعات قانونية وفق مجلة الإجراءات الجزائية أمام هيئة المحكمة أم تقصد دعوة أنصارك إلى الضغط على القضاء وتخويفه؟

محاصرته كما حدث لقضاة محكمة بن عروس؟ هل تخضع المحاكمة العادلة للقانون أم للاتهام الشعبي؟ أيا كانت أخطاء أو ثغرات القضاء، فالمحاكمة ليست مقابلة كرة قدم تقوم على الحماس الشعبي وحجم الجمهور الذي لا يتوقف عن دعم فريقه، ما يزعجني هي علاقتنا الفاسدة بالسلطة القضائية،

حين تكون متعاطفا مع شخص أو متبنيا لقضيته، فإن أقصى ما يمكن أن تفعله في إطار القانون هو أن تعين له محامين جيدين، ثم تجلس في مقاعد الجمهور صامتا تماما، احتراما لهيبة السلطة القضائية، وتنتظر قرار العدالة، وليس لك ضدها إلا حل وحيد: الطعن في الحكم بالاستئناف، غير ذلك سلوك شعبوي مضر بالعدالة.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات