قيس سعيّد 'بوصفه' شارل ديغول ( 1 ) تونسي : فرضية اجرائية للجدل مع بعض متهميه بالنّازية و الشعبوية من ' العائلة الوسطية الحداثية' و 'العائلة اليسارية' في تونس.

مقدّمة :

ليس الهدف من هذا المقال معارضة "قياس ألماني" ب"قياس فرنسي" وبالتالي ليس الهدف منه اثبات ديغولية قيس سعيّد .ان الهدف منه هو الجدل مع أصحاب "القياس الألماني" الذين يصرّون على القياس بين قيس سعيد وكارل شميت بل وهتلر نفسه لا غير بحثا عن الاقتراب من 'التحليل الملموس للواقع الملموس' كما يقال. لقد كنت ناقشت هذا سابقا (منذ حوالي سنة) مع الصديق شريف الفرجاني وبقي النقاش مفتوحا وتذكرت الأمر اليوم بعدما أمدّني الصديق الفرجاني نفسه -مشكورا- برابط مقال للجامعي التونسي وليد العربي في "جريدة المغرب " ليوم 24 فيفري الحالي و الذي يحمل عنوان " قيس سعيّد أو مقولة كارل شميت حول الزعيم الفوهرر الذي يحمي القانون".

ورغم أنني لن أناقش هذا المقال -الذي يبدو أنه جزء أول من مقال أطول - فانني أشير الى أن خاتمة الجزء الأول نفسها تهدم تقريبا ما كتب في المقال اذ ورد فيها :

" قد أكون بالغت في رصد أوجه التشابه بين الرئيس قيس سعيّد وأدولف هتلر، فتونس ليست النمسا–ألمانيا، وثلاثينات القرن العشرين ليست عشرينات القرن الحادي والعشرين، ودستور 27 جانفي 2014 ليس دستور جمهورية فايمار لسنة 1919، ولا يوجد في تونس حزب نازي، وليلة السكاكين الطويلة لن يكون لها مثيل في تونس، والحرب العالمية الثالثة لن تقع، وقيس سعيّد ليس أدولف هتلر... قلتُ إنني قد أكون بالغت بعض الشيء، إلاّ أنّ كل شخص يقرأ كتابات كارل شميت بعد انتخاب قيس سعيّد رئيسا للجمهورية، لا بدّ أن ينتبه إلى أنّ عددا منها كأنما كُتِبت خصيصا له ؛ وهذا أمر مستحيل طبعا.

غير أنه ومنذ «تتويجيه» رئيسا للدولة، يبدو أنّ قيس سعيّد أصبح فعلا يُشكِّل تجسيدا لفكر كارل شميت وخاصة لـــ «ثوريته المحافظة»... وهذا ما يدعو كلّ المثقفات والمثقفين الذين يبحثون له عن تبريرات ويدعمونه، تحت أيّ عنوان من العناوين ومهما كان الداعي، إلى رفع هذا الدعم عنه... وعند الاقتضاء الاستعداد للمقاومة، فمشروعه في منتهى الخطورة..."

انتهى الاقتباس

ان جملة " إلاّ أنّ كل شخص يقرأ كتابات كارل شميت بعد (لاحظوا عبارة بعد -نحن) انتخاب قيس سعيّد رئيسا للجمهورية، لا بدّ أن ينتبه إلى أنّ عددا منها كأنما كُتِبت خصيصا له ؛ وهذا أمر مستحيل طبعا " لوحدها -هذه الجملة - تكفي لاعتبار ما كتب مجرّد اسقاط نظري بمفعول رجعي بناءا على قياس قدّ على المقاس لتحشيد المثقفين والمثقفات 'للمقاومة' ضد 'الثورة المحافظة' ويهمني ألاّ أنخرط في هذا و أن اعلن نفسي "لست قيسيّا ولكن..." - كما يحلو للبعض تكرار هذه العبارة بخصوص حزب النهضة- ليس دفاعا عن قيس سعيد بالأساس بل دفاعا عن عقلي السياسي وذلك باعتماد منهجية 'اجرائية' كما يلي.

لنقد هذا الاسقاط النازي الالماني على قيس سعيد سوف أعتمد طريقة الاسقاط الديغولي الفرنسي عليه لبيان سهولة القياس الألماني اذا كان "مسحوبا من الشعر" كما يقول الفرنسيون.واضافة الى نيتي المنهجية هذه فلي نية سياسية هي الأمل في احداث 'رجّة فكرية' خاصّة عند "العائلة الوسطية-الحداثية" التونسية التي يشتغل مثقفوها وصحفيوها كثيرا ضد قيس سعيّد منذ صعوده لعل اكتشافهم امكانية مقارنته بشارل ديغول يخفف حملتهم عليه لأنني أعتبر أن النقد الوحيد الجدير بالصفة النقدية ذات الايجابية السياسية لقيس سعيد هو النقد اليساري الذي سنختم به لاحقا . ولنعد الى شارل ديغول الآن .

1-شارل ديغول كان محافظا فكريا خاصة في مراحله التكوينية وكانت له أفكار دينية و اجتماعية قريبة من المسيحيين المحافظين وبقي كذلك حتى وفاته و هو في هذا 'يشبه' قيس سعيد نسبيّا.

2-شارل ديغول كان قوميّا فرنسيا على طريقته كما أن قيس سعيد قومي عروبي على طريقته...بل ان ديغول كان استعماريا تماما.

3- شارل ديغول هو عسكري بالأساس ولكنه عندما دخل السياسة بدأ بمرحلة تأسيس حركة " تجمّع الشعب الفرنسي" التي تذكر تسميتها بحركة "الشعب يريد" عند قيس سعيد لأنها كانت حركة سياسية فرنسية تدّعي الاختلاف عن الأحزاب الفرنسية الأخرى.

4-شارل ديغول كان يحقد على الأحزاب السياسية الفرنسية وينقد سطوتها في فرنسا منذ الحرب العالمية الأولى الى الحرب الثانية ويعتبرها سبب خراب الجمهورية الفرنسية وكان يعتبر نفسه أكبرمنها وفوقها ولا يمثل لا اليمين ولا اليسار.

5- شارل ديغول كان ضد النظام البرلماني الفرنسي وهو من حول الجمهورية الفرنسية الى جمهورية رئاسية بعد وصول الى الحكم كرئيس سنة 1958 ثم انتخابه كرئيس سنة 1959 مع بداية الجمهورية الخامسة.

6- شارل ديغول كان يتهم من قبل نقاده من اليسار و الوسط و اليمين بكونه ضد الحقوق و الحريات السياسة وضد حقوق الانسان في فرنسا بسبب ميوله التسلطية الفردية وخلفيته العسكرية حسب رأيهم.

7- شارل ديغول كان يتهم بالميل الى التسلط الرئاسوي من خلال العمل على اضعاف السلطة التشريعية في مقابل تقوية السلطة التنفيذية ووضع الحكومة تحت سلطة رئيس الجمهورية.

8- شارل ديغول كان يتهم بمحاولته تخريب الدولة الديمقراطية خاصة بعد طرحه على الاستفتاء سنة 1968 للتعديل الدستوري الذي أراد به توحيد مجلس الشيوخ مع المجلس الاقتصادي والاجتماعي بحثا عما كان يعتقده نزعة تشاركية تكون وسطا بين الرأسمالية والشيوعية.

9- شارل ديغول كان يتهم بمحاولة تدمير وحدة فرنسا لأنه طرح في نفس التعديل الذي عرض على الاستفتاء -وفشل - مسألة "الجهوية" بطرح توسيع سلطات الجهات على حساب المركز من باب 'مزيد تشريك الشعب الفرنسي' في حكم نفسه.

10- شارل ديغول كانت علاقته مع كثير من المثقفين والاعلاميين متوترة جدا حتى أنه رفض القيام بحملة انتخابية متلفزة سنة 1965 و لم يوافق على ذلك الا في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية ضد فرانسوا ميتران -مرشح اليسار الموحد وقتها - و اكتفى ديغول قبل ذلك بما يشبه 'الحملة التفسيرية' بعبارة قيس سعيد الشهيرة.

كما نرى ،اذن ،فانّه من الممكن أيضا 'القياس' بين قيس سعيد و شارل ديغول ,ونحن نعتقد فعلا أن قرابة سعيد بديغول فرنسا أكبر من قرابته بكارل شميت و بهتلر ألمانيا ، أو لنقل ان العلاقة المقارنة بين سعيد وديغول أقل سطحية من الأخرى خاصة اذا تذكرنا العلاقة الاستعمارية التاريخية بين تونس وفرنسا و تأثيرها على الوعي السياسي التونسي. وما على "العائلة الوسطية الحداثية" سوى مراجعة تقييماتها أوتنسيبها على الأقلّ.

أما "العائلة اليسارية" فأقول لها - ضمن خط هذا المقال- كون ما حدث في تونس سنة 2019 ليس "كما حدث" في فرنسا سنة 1965 عندما ساند اليسار فرانسوا ميتران ضد ديغول بل "كما حدث " في فرنسا سنة 2002 عندما وصل الديغولي جاك شيراك ضد اليميني جان-ماري لوبان الى الدور الثاني وصوت اليسار عندها الى شيراك تصويتا مفيدا دون أن يتماهي معه . وهذا طبعا من باب 'القياس الاجرائي' -مسايرة لروح المقال- لا غير لأن فرنسا ليست تونس ونبيل القروي ليس لوبان، وقيس سعيد ليس جاك شيراك ، الخ. ولكن مع تذكير بأن وضع تونس في 2021 أخطر بألف مرة من وضع فرنسا في 2002.

أما من سيرفض من اليسار القياس النازي الألماني كي يرفض معه القياس الديغولي الفرنسي ليكتفي بالتحليل الشعبوي فأذكّره -بعد مقال سابق لي كان موجها لليسار - أن لينين ناضل مع الشعبويين -وهو ينقدهم- في ثورتي 1905 وفيفري 1917 ثم تحالف أصلا مع الاشتراكيين الثوريين اليساريين -سلسلي الشعبوية الروسية- حتى في ثورة أكتوبر وحكم معهم سنتين تقريبا حتى 1919 .ولكم أن تقارنوا بين 'المسار الثوري 'التونسي و الروسي وتستنجوا ما يجب استنتاجه بروحية تكتيكية وليس بحرفية قياسية طبعا .

خاتمة : تونس وفسطين !

روى محمود درويش في شريط وثائقي عنه من اعداد الياس صنبر بعنوان "الأرض تورث كاللغة" أن ياسر عرفات عرض عليه وزارة الثقافة في حكومة أوسلو فرفضها فقال له عرفات أن أندري مالرو قبل بنفس المنصب مع ديغول فلم لا يقبل هو فكان جواب درويش كالآتي:

'لو فرضنا أن فرنسا كفلسطين وأن عرفات كديغول وأن درويش في حجم مالرو فانني سأختار عندها أن أكون جان-بول سارتر وليس أندري مالرو!"

أقول هذا للمثقفين التونسيين الذين يريدون -ولهم الحق في ذلك- أن يكونوا سارتريين بهذا المعنى مع 'ديغول' تونس الفرضي. ولكنني أضيف: كونوا سارتر ولكن ضد ديغول 'معقول ' وليس سارتر ضد هتلر مسقط .

ثم ان قيس سعيد ليس حتى شارل ديغول حتى يكون أدولف هتلر . انه في أقصى الحالات 'شارل ابن الخطاب' التونسي أو 'عمر ديغول ' التونسي الذي يقبل بالديمقراطية -على طريقته- ولا يرفضها كما ترفضها النازية فلا داعي للتحشيد شبه العسكري أعلاه الموجه للمثقفات والمثقفين ضدّه فهذا قد يشبه 'دونكيشوطية ' لا معنى لها تماما دون أن يعني ذلك الهروب من النّقد بل بالعكس تماما بسبب هشاشة التجربة وتردّد قائدها الحالي . ولكن ، هنالك نقد ونقد !


(1) - تجدون -أ - رابط شريط فيدو مهم جدا لديغول سنة 1965 و

- ب- رابطي مقالين من ويكيبيديا عن ديغول - مع الانتباه لاحالاتهما المعجمية والبيبليوغرافية- يكفون لتكوين صورة عن جدية فرضية القياس -الاجرائية- بين ديغول وسعيد ومنافستها لفرضية القياس بين سعيد وشميت وهتلر.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات