الماركسية ومشتقاتها

لا ينفكّ الصديق مصطفي العلوي يُعمِل الفكرَ والنقد في الكثير من مفاهيم السياسة عموما وفي الماركسية خصوصا مبيّنا حدودها وطرق معالجتها وتبيئتها. ولقد نشر في صفحته على فيسبوك، قبل بضعة أيام، ما يشبه النداء إلى اليسار التونسي. ويطرح فيه أفقا فكريا رحبا وثريا وغير مألوف في أوساطنا.

وأرى أنه يجب المساهمة في بلورة نقاطه وخطوطه ومسطحاته النظرية لأجل تجاوز ما قد يبدو فيه من طابع سينكريتيكي syncrétique(التلفيقية المعرفية). وأتوقف هنا عند بعض المفاهيم والأفكار الواردة في تدونيته وأسوقها في شكل نقاط على ضوء أسئلته النيّرة جدّا.

: 1- يحسن بمثقفي اليسار الذي يتبنون الماركسية مزيد النظر في تفعيلاتها التاريخية تمييزا بين فكر ماركس والماركسيات. للأول قوة التماسك النظري النقدي، أي سلطة الحجة. أما التيارات الماركسية فلها حجة الممارسة التاريخية المنقلبة إلى حجة سلطة (حزب، دولة…). الفارق بين الفكر« الماركسياني » (نسبة إلى ماركس) والفكر « الماركسي » (الماركسيات) كالفرق بين تعاليم المسيح والكنائس التاريخية المختلفة. ما من نظرية تقدم نفسها فلسفة للتاريخ (ماركس) إلا وتفقد حتما نقاوتها النظرية عندما تلتحم بالممارسات العامة. للإيديولوجيا بالتعريف دور تشويهي على الصعيد النظري مهما كانت فعّالة نسبيّا على صعيد التحولات الواقعية التي تجريها في حياة الناس وفي السياسات. ولقد أدرك ماركس ذلك عندما قال عن نفسه « لست ماركسيا ». ما يعني أنه يجب على الماركسية أن لا تشتغل وكأنها «معيار» للفصل في قيمة التجارب التاريخية الفريدة مثل أمين صاغة «يُعَيّر » الحلي والمصوغات.

2- ليس هناك معيار كوني. هناك وجود اجتماعي سياسي ثقافي يستفهم تجربته الخاصة وتجارب الفكر الثوري العالمية بحكم حاجة داخلية فيه وللتعبير عن ذلك الوجود النوعي وتحريره. ما نحتاج إليه هو « فكر محايث » (كل أمة لها جسد اجتماعي ثقافي سياسي خاص يَعرَق من داخله بحكم تكوينه الفيزيولوجي ووفقا لهندسة الحمامات المختلفة). ما يهمنا ليس أن تعلو نظرية ماركس مثلما يعلو هذا المذهب الديني أو ذاك، بل أن يتحرر الناس من الاضطهاد، والاستغلال، والتبعية والاستلاب.

3- هناك لحظات وجيزة جدّا تلتحم فيها المعاني الكبرى للفكر الثوري مع التاريخ : لحظة الثورات العابرة كالبرق (عفوية كمونة باريس، لينينية الثورة الروسية الثانية في سنيها الأولى، إرادوية الثورة الصينية في بعــــض لحظاتها، مشيحانية غيفارا، اللاهوت السالب في بعض أيام الثورة الإيرانية، بعــــــض أيام ثورات الربيع العربي، الخ…). وعندما تخمد الشعلة الثورية يأتي وحش الإيديولوجيا بكلاكله وكلاليبه ويفرض عبودية السلطة ويلبس كساء اللاهوت والكهنوت لقهر وتجويع وتعليب من تتكلم الإيديولوجيا باسمهم فينفرون منها ثم ينقلبون عليها. الدين الحقيقي – عند عامة الناس- أفضل من الدين المزيف لأن فكرة التعالي والتجريد والتنزيه تومئ إلى العدالة وتجعل من عبارة «الله أكبر» أفضل بما لا يقاس من عبارة «فرعون أكبر»: ولذلك بدأت الثورة المضادة في بولونيا الكاثوليكية دينية الطابع ضد ما كان ينعت بالشيوعية؛ وبعد البريسترويكا عادت حليمة الأورتودوكسية إلى عادتها القديمة في روسيا (وخاصة مع القيصر بوتين).

4- « الديمقراطية البورجوازية » : هذه عبارة لمزيد النظر والتحقيق. لم تكن البورجوازية ديمقراطية قطّ، كانت في غالب الأحيان ليبرالية. وهذا أمر مختلف. الديمقراطية فرضها كفاح العمال والمقهورين والمهزومين فجاءت للتسوية في ظل الليبرالية.

5- « الديمقراطية الليبرالية ». هذا أيضا فيه نظر وتحقيق. الليبرالية رؤية للاقتصاد والثقافة والسياسة تقوم على المنفعة والأنانية والمنافسة وتتكيف تكيفا مدهشا مع جميع الظروف، مع الحرية وخلافها، مع الديمقراطية والديكتاورية، مع الفردية الضيقة والتراستات العملاقة، مع السلم (التجارة والتبادل وتوسيع السوق) ومع الحرب (نهب الثروات وتقسيم العالم وترويج المخدرات بقوة الحديد والنار: حرب الأفيون البريطانية في الصين مثال على ذلك)، مع الدين واللادين، مع العلمانية ودغدغة المشاعر الدينية: (استهلك بزيادة، ووجّه قبلتك حيث شئت، فحيثما هناك سوق هناك وجه الله!).

ما جاءت به الليبرالية منذ الحداثة (هوبز) هو القطع مع المبادئ التالية: مع الفضيلة الجمهورية ومع التضحية والفداء (لأن التضحية لا تتوافق مع حساب المنفعة الشخصية)، مع التضامن (لأن التضامن ضد الفردية الأنانية وغير محايد!!!)، مع آداب الحياة الطيبة الكريمة (لأن الكرامة تزيد في ثمن قوة العمل)…

فما على البروليتاري إلا أن يكون أقل من حصان للجرّ. في الغرب ألغت المسيحية مسنودة بالشعوب «البربرية» (ليتها تعود هههه!) الرق الروماني وأسسه التقدم الرأسمالي في أمريكا وأعاده في المستمعرات الأوروبية. وهذا هو المعنى الخفي والحقيقي للتقدم الذي جاءت به الليبرالية مذ أن أدرك البورجوازي كيف يؤلف بين علوم غاليليه واكتشاف أمريكا وتطور الأسلحة النارية ونمو التبادل الرأسمالي. وخطأ ماركس القاتل رغم كل الاحتراسات والنقد الراديكالي هو أخذه بمقولة التقدم فلم يخرج من أفقه رغم مراجعاته المضنية في أواخر حياته. ويرجع سقوط الاتحاد السوفياتي في الجزء الأكبر منه إلى امتحان التقدم وكلفته الباهضة جدا (مثله مثل عذاب المسيحيين في انتظار الخلاص النهائي!)

6- خطأ وغفلة يرتكبهما مثقفو بلدان الجنوب، هما اقتفاء أثر الاشتراكيين الديمقراطيين الغربيين الذين غررهم التضليل الليبرالي القائل بـ « الحياد القيمي » فأقاموا تمييزا بين الليبرالية الاقتصادية (سيئة) والليبرالية السياسية والثقافية (حسنة) متغافلين عن « يد السوق » غير المرئية التي تضع السلعة بين يديك بوصفها « شيئا » و« حاجة » و« ذوقا » و« ورمزا » (فكرة، إيديولوجيا) و« صنما » تتقرب إليه بقدر ما تتقرب من رغبتك ومن نفسك. الليبرالية الثقافية مثلها مثل الأفلاطونية التي تفصل، في الظاهر، بين المعقولات والحسيّات فصلا يكون مدخلا جليلا لاستعادة العالم الواقعي القائم كما هو، ولكن معدل ومبرر بالقوانين وبالسلم الأهلي. وفي واقع الأمر لا توجد إلا ليبرالية واحدة تتلون كالحرباء.

7– أما بالنسبة للإسلام فصحيح ما ذكرتَ. هناك في هذا البلد بالخصوص نزعة تجاوز نقد الاسلام السياسي إلى استقباح الاسلام دينا للناس وثقافة وتاريخا وأنتروبولوجيا ورؤية للعالم. وهذا شطط مرضي لا نجده لا في البلدان الإسكندنافية ولا في فرنسا العلمانية، من دون الحديث عن إيطاليا واليابان وأمريكا وروسيا والصين الماوية-الكونفشيوسية، وأمريكا للاتينية وإفريقيا الإحيائية. تلك هي ميزة المثقف «العضوي» الحديث التونسي. العضوية هنا بمعنى التابعية والخماسة المحلية وغير المحلية… فلنتركه هذا المثقف النمطي مع بضاعته التي تساعده على ترويجها مراكز الامبراطورية العولمية الساخرة من سذاجته!


*عبد العزيز لبيب : أستاذ الفلسفة بجامعة المنار

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات