المأزق السعودي وكوابيس بن سلمان

بعد بضعة أسابيع من دخول بايدن إلى البيت الأبيض بدأت المواقف الخارجية لأمريكا تتضح أكثر فأكثر. فرغم الانشغال بالأزمات الداخلية والمتاعب التي خلفتها إدارة ترامب من أزمة صحية وانقسام داخلي حاد أعاد المجتمع الأمريكي إلى "نقاش الهوية" إلا أن الإدارة الجديدة لم تمتنع عن إصدار مواقف تسيج مستقبل السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة والعالم.

أبرز هذه الرسائل اللافتة هي الجملة التي رددها بايدن أواخر نوفمبر اذ قال بأن أمريكا مستعدة لقيادة العالم. قيادة العالم تعني أولا وقبل كل شيء ترميم أمريكا لتحالفاتها الدولية خاصة مع الأوروبيين..هذه التحالفات التي تضررت كثيرا في فترة حكم ترامب اذ امتازت السياسة الأمريكية بنزعة آحادية صادمت الخصوم وتعالت حتى على الحلفاء المفترضين.

مجهود الإدارة الأمريكية الجديدة سيتركز في الفترة القادمة إذن على إعادة العلاقة مع اوروبا والمجتمع الدولي إلى أوجها (العودة الى اتفاقية المناخ، دعم المجهود الدولي في محاربة فيروس كورونا، تشديد اللحمة بين أعضاء حلف الناتو...).

وإلى جانب سعيها لترميم تحالفاتها، تبدو الإدارة الأمريكية الجديدة حريصة على تبريد ملفات معينة في المنطقة لنزع فتيل التوتر عنها، كملف الاتفاق النووي الإيراني الذي يبدو جليا حرص بايدن على العودة إليه حسب ما أعلن في حملته الانتخابية.

تركيز أمريكا على منع الصدام مع إيران في حقيقته ليس حبا لإيران، بل هو نتيجة لتوجه واضح مبني على تقديرات إستراتيجية تنبه من القوة الصينية المتصاعدة والتي أصبح الأمريكيون يعتبرونها تهديدا حقيقيا لمكانتهم الدولية. إضافة إلى الدب الروسي الذي نجح في إحراج الأمريكيين في أكثر من ملف..ما يجعل مهادنة إيران ومنع الانجرار الى تصعيد معها أولوية لدى بايدن..

العودة الى السياق الدبلوماسي من الجانب الأمريكي مع إيران سيزيد من مآزق "تحالف الحرب"، أي تحالف بن زايد، بن سلمان ونتنياهو..

تبدو السعودية في أصعب فتراتها اليوم، أو لنقل سعودية محمد بن سلمان، سعودية العام 2030 التي كان يحلم ولي العهد الحالي بحكمها وتحويلها إلى القوة الثانية في المنطقة بعد "إسرائيل".

يبدو أن محمد بن سلمان يمر بفترة هي الأصعب بعد زمن الرخاء الذي أمنه له ترامب..فالسعودية اليوم غارقة في الملف اليمني تتلقى الضربات والصفعات حيث ينكسر حلفاؤها على امتداد جغرافيا الصراع، "مأرب" خصوصا، هذا إضافة إلى مطاراتها وعمقها الجغرافي اللذين أصبحا مرتعا للصواريخ اليمنية وطائراتها المسيرة التي تركز قصفها في الأيام الأخيرة على مطاري أبها والرياض.

وإلى جانب الخسائر الميدانية والعسكرية، يتلقى بن سلمان ضربات سياسية موجعة من قبل الإدارة الأمريكية الحالية التي أوقفت دعمها العسكري لتحالف العدوان على اليمن، هذا إلى جانب الغطاء السياسي الذي بدأ ينتزع عن السعودية في الملفات المتعلقة بالأزمة الإنسانية التي سببتها الحرب على شعب اليمن.

باستقراء سريع للأسماء المؤثثة لفريق بايدن يمكن أن نكتشف بشكل أوضح حجم المأزق السعودي اليوم، فرئيسة المخابرات الوطنية الأمريكية "أفريل هاينز" كانت قد تعهدت في تسجيل سابق بالكشف عن التقرير المتعلق بقتل خاشقجي في صورة حصولها على المنصب، ويبدو أن هذا التقرير قد تم نشره منذ ساعات حسب جريدة "واشنطن بوست".من غير الواضح حتى اللحظة هل أن التعاطي الأمريكي مع بن سلمان سيهدف لتطويعه باستعمال ملف خاشقجي وحرب اليمن، أم أن الهدف هو الإنتقام من الدعم الذي قدمه بن سلمان لترامب طيلة السنوات الماضية، لكن الأكيد أن المأزق السعودي يتعاظم خاصة بعد أن وضع بن سلمان كل بيضه في سلة ترامب، فرحل ترامب وأصبح بن سلمان عاريا في المنطقة.

ومما لا شك فيه أن هذا الوضع السعودي سيزداد سوداوية في صورة رفع العقوبات عن إيران وتعافيها ولعل هذا ما جعل السعودية وبقية الدول الوظيفية في الخليج تتمسك بضرورة أن تكون طرفا في الاتفاق الأمريكي الإيراني بما يضمن مصالحها ويدرج مسألة الصواريخ الإيرانية وغيرها من الملفات في "اتفاق مكمل" للإتفاق النووي تكون السعودية والإمارات و"إسرائيل" أطرافا فيه.

في ظل كل هذا الزخم في المنطقة والعالم، يبدو أن هنالك حقيقة واحدة تترسخ، وهي أن النظام العالمي اليوم يتغير ليصبح أكثر عدلا وليستوعب قوى الشرق الصاعد بروحيتها السياسية وكبريائها القومي، ومما لا شك فيه أن تيارات المستضعفين والمقاومة تساهم في بلورة ملامح هذا النظام، في حين تبقى بلادنا عاجزة عن الإتيان بأي حركة، وبقيت نخبنا تقلب معاجمها البالية، وبقي إعلاميونا وخبراؤنا المزعومون يرسمون الخطوط الحمراء ليمنعوا أي توجه اقتصادي واجتماعي يدفع بتونس للإنخراط في قلب هذه التحولات، لتبقى البلاد بدورها تجتر منوالا إقتصاديا رثا وتتعامل مع عصر التحولات الكبرى بدبلوماسية رتيبة موروثة من حقبة الحرب الباردة.


*معتز بوعجيلة : ناشط حقوقي

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات